إدريس لشكر.. حين يكون جلباب الوزارة أكبر من مقاس الزعيم السياسي - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الثلاثاء, أكتوبر 20, 2026
سياسة

إدريس لشكر.. حين يكون جلباب الوزارة أكبر من مقاس الزعيم السياسي

الأحداث✍️
في السياسة، هناك هزائم تعلنها صناديق الاقتراع، وأخرى تكشفها قوائم التعيينات. يكفي أن تُوزَّع الحقائب، وتُعلَن الأسماء، ثم يكتشف رجل أمضى سنوات طويلة على رأس حزب عريق أن اسمه ليس بين المدعوين إلى تحمل مسؤولية وطنية. عندها لا يحتاج أحد إلى تقرير مطول عن تراجع النفوذ؛ فالصورة تتكلم، والغياب أحيانًا أبلغ من الحضور.

بالنسبة إلى إدريس لشكر، لا يتعلق الأمر بحقيبة وزارية لم يحصل عليها فحسب، بل بحصيلة سنوات طويلة من قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فبعد كل هذه المدة، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا أضافت هذه القيادة إلى الحزب؟ هل عززت حضوره في المجتمع، وجددت نخبه، ووسعت قاعدته الانتخابية، أم أن نجاحها الأبرز ظل متمثلًا في ضمان استمرارها على رأس التنظيم؟

هنا تحديدًا يصبح جلباب الوزارة أكبر من مقاس الزعيم السياسي. فالزعامة ليست مكافأة عن سنوات الخدمة، ولا امتيازًا دائمًا لمن أحكم تدبير التوازنات الداخلية. إنها قدرة على بناء القوة، وصناعة المبادرات، وفرض الحضور في المعادلات السياسية. ومن لا يستطيع تحويل موقعه التنظيمي إلى تأثير ملموس، يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة سؤال ثقيل: هل حافظ على الحزب أم اكتفى بالمحافظة على موقعه فيه؟

لكن المحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند شخص لشكر، بل يجب أن تمتد إلى حال الاتحاد الاشتراكي نفسه. فنحن أمام حزب كان، في مرحلة من تاريخ المغرب، مدرسة في المعارضة الديمقراطية، وفضاءً لإنتاج الأفكار والنخب، وصوتًا سياسيًا ارتبط بالنضال من أجل الحرية والكرامة. حزب لم تكن قيمته مستمدة من عدد المقاعد التي يحصل عليها وحدها، بل من قدرته على التأثير في النقاش العام وصياغة البدائل السياسية والاجتماعية.

والسؤال اليوم هو: ماذا بقي من ذلك الدور؟ أين المشروع الذي يجعل الاتحاد الاشتراكي قوة فاعلة في حياة المغاربة، لا مجرد اسم يستحضر تاريخه كلما احتاج إلى تبرير حاضره؟ وأين الخطاب الذي يخاطب العامل الذي يلتهم الغلاء راتبه، والشاب الذي يصطدم بجدار البطالة، والأسرة التي ترهقها كلفة العلاج، والمواطن الذي يرى المدرسة العمومية تتراجع عن دورها في تحقيق تكافؤ الفرص؟

تلك هي الحصيلة التي تستحق النقاش. فالأمجاد القديمة لا تدفع فواتير الحاضر، والرصيد التاريخي ليس حسابًا مفتوحًا للسحب إلى ما لا نهاية. ومن لا يجدد أفكاره يتحول إلى متحف، ومن لا يفتح مؤسساته أمام نخب جديدة يتحول إلى دائرة مغلقة، ومن يعجز عن تقديم أجوبة عن أسئلة المجتمع يكتشف أن المواطنين لم يعودوا ينتظرون منه الكثير.

كان المنتظر من قيادة لشكر أن تجعل من إرث الحزب نقطة انطلاق نحو التجديد، لا مظلة يستظل بها في مواجهة النقد. كان المطلوب بناء خطاب اجتماعي واضح، واستعادة الثقة في العمل الحزبي، وتطوير أدوات التأطير، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وربط المبادئ التاريخية بسياسات ملموسة. أما الاكتفاء بتدبير التنظيم، مهما بلغت مهارة صاحبه في ذلك، فلا يكفي لإعادة حزب تاريخي إلى قلب الحياة السياسية.
والحصيلة لا تُقاس بالنوايا ولا بعدد المؤتمرات والبيانات، بل بما تغيّر فعلًا. هل أصبح الحزب أكثر قدرة على استقطاب الشباب؟ هل تجددت نخبه وطرق اشتغاله؟ هل استعاد ثقة فئات اجتماعية ابتعدت عن الأحزاب؟ هل قدم مشروعًا متميزًا في قضايا العدالة الاجتماعية والتعليم والصحة والشغل؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها خطابات الاعتزاز بالماضي، بل تحتاج إلى نتائج واضحة يمكن للمناضلين والرأي العام تقييمها.

كما أن الديمقراطية الداخلية لا ينبغي أن تبقى جزءًا من الذاكرة الخطابية للحزب. فالتنظيم الذي دافع تاريخيًا عن الديمقراطية مطالب بأن يجعلها ممارسة يومية في مؤسساته، وأن يتعامل مع تداول المسؤولية باعتباره مصدر قوة لا تهديدًا للقيادة. أما حين يتقدم سؤال البقاء في الموقع على سؤال تجديد المشروع، فإن الحزب يخاطر بأن يتحول من مؤسسة سياسية مفتوحة إلى دائرة تدور حول توازناتها الداخلية.
ليس من العدل تحميل لشكر وحده كل أزمات الاتحاد الاشتراكي؛ فتراجع الأحزاب يرتبط أيضًا بتحولات المجتمع، وأزمة الثقة في العمل السياسي، وتغير أنماط المشاركة والتمثيل. لكن من يقود يتحمل نصيبه من المسؤولية، خصوصًا حين تطول تجربته إلى الحد الذي يجعل حصيلة المؤسسة مرتبطة بصورة وثيقة بخياراته. لا يمكن للزعيم أن ينسب إلى نفسه فضل الاستمرار، ثم يرفض مساءلته عن نتائج ذلك الاستمرار.

أما المشاركة في الحكومة، فليست في حد ذاتها دليلًا على النجاح. فقيمتها الحقيقية تتحدد بقدرة الحزب على التأثير في القرار، والدفاع عن برنامجه، وتحقيق مكاسب ملموسة للمواطنين. فالمنصب وسيلة لتنفيذ المشروع، وليس بديلًا عنه؛ والحضور داخل المؤسسات لا يعوض غياب الأثر في المجتمع.
ومن هذه الزاوية، يصبح غياب لشكر عن التشكيلة الحكومية تفصيلًا كاشفًا لا حكمًا نهائيًا على تجربته. فهو لا يثبت وحده فشل الرجل، ولا يكشف بالضرورة الأسباب التي أدت إلى عدم اختياره، لكنه يسلط الضوء على سؤال أعمق: ما الوزن السياسي الذي راكمته القيادة خلال سنواتها الطويلة؟ وإلى أي حد نجحت في تحويل نفوذها داخل الحزب إلى قدرة على التأثير خارجه؟

إدريس لشكر ليس الاتحاد الاشتراكي، والاتحاد الاشتراكي ليس ملكًا لإدريس لشكر. تاريخ الحزب ملك لذاكرة جماعية، وإرثه النضالي ليس درعًا يحمي أي قيادة من النقد. والوفاء الحقيقي لذلك التاريخ لا يكون بتقديس الأشخاص، بل باستعادة المبادئ التي صنعت مكانة الحزب: الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلالية الفكرية، والانحياز إلى مصالح الوطن والمواطنين.
لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس سجالًا حول حقيبة وزارية بقدر ما هو نقاش صريح حول الحصيلة: ماذا حققت قيادة لشكر؟ ما الذي تركته أقوى مما وجدته؟ وأي مشروع تستطيع أن تقدمه للمستقبل؟ فكلما طالت سنوات المسؤولية، ازدادت الحاجة إلى نتائج تبررها، لا إلى أعذار تمددها.

حين يكون جلباب الوزارة أكبر من مقاس الزعيم السياسي، لا تكفي الأقدمية لتبرير المقاس، ولا يكفي البقاء في القيادة دليلًا على قوة الزعامة. الامتحان الحقيقي هو الحصيلة: حزب أكثر قوة أم أكثر انكماشًا؟ مشروع متجدد أم رصيد يُستنزف؟ قيادة تفتح الطريق أمام المستقبل أم تنشغل بضمان استمرارها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه إدريس لشكر بعد سنوات طويلة على رأس الاتحاد الاشتراكي. فالتاريخ يمنح الزعيم مكانته الأولى، لكنه لا يضمن له مكانته إلى الأبد؛ وحدها النتائج هي التي تمنح القيادة معناها، وتثبت أن سنوات المسؤولية كانت استثمارًا في مستقبل الحزب، لا مجرد سنوات إضافية في كرسي الزعامة.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: