الجماعات الترابية ومشاريع آخر الولاية الانتدابية… تنمية مؤجلة وحسابات انتخابية مبكرة - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الأربعاء, أكتوبر 14, 2026
مدونات الأحداث

الجماعات الترابية ومشاريع آخر الولاية الانتدابية… تنمية مؤجلة وحسابات انتخابية مبكرة

الأحداث✍️عبد الصادق عبادة

ثمة ظاهرة مسكوت عنها في تدبير الشأن العام المحلي بالمغرب، تستحق التوقف والمساءلة: بعض المجالس الجماعية لا تحتاج إلا إلى اقتراب موسم الانتخابات لتكتشف، فجأة، فضائل السرعة، وتستعيد حماستها للمشاريع، وتنفض الغبار عن الملفات المنسية. وكأن عقارب التنمية في هذا البلد لا تتحرك بإيقاع حاجات المواطنين اليومية، بل على دقات الساعة الانتخابية!

فجأة، تتأثث الشوارع بالآليات، وتتحول الأحياء المنسية إلى ورش مفتوحة، وتصبح الإنارة والماء والمرافق الاجتماعية ملفات مستعجلة لا تحتمل التأجيل. وفجأة أيضاً، يسترجع بعض المنتخبين ذاكرتهم المفقودة، فيتذكرون أن هناك ساكنة تنتظر ووعوداً قُطعت على المنصات ذات يوم. غير أن السؤال السياسي والأخلاقي الذي يطرح نفسه هنا ليس: لماذا انطلقت هذه المشاريع اليوم؟ بل: لماذا نامت طوال سنوات الولاية لتستيقظ عشية الاقتراع؟

لا يتعلق الأمر بطعن مجاني في النوايا، ولا بإنكار التعقيدات المسطرية وإكراهات التمويل والعقار التي ترهق التدبير الجماعي؛ فتلك حقائق لا يُنكرها إلا جاهل ببديهيات الإدارة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العجز والتأخير إلى «قاعدة»، والتدارك المتأخر إلى «استثناء»، فتتحول نهاية الولاية من محطة طبيعية لجني ثمار برنامج تنموي متكامل، إلى موسم مكياج سياسي لتجميل الحصيلة قبل عرضها على الناخبين.

إن أفيون السياسة المحلية هو تحويل الواجب المؤسساتي إلى «منّة» شخصية. فالمنتخب الذي يبلّط طريقاً أو ينشئ مرفقاً لا يقدم هدية من جيبه، ولا يتصدق على الساكنة بحقوقها؛ إنه يتصرف في المال العام، وينفذ برامج انتُخب لأجلها. ومن ثم، فإن تقديم المشاريع كإحسان انتخابي ليس مجرد سوء تواصل، بل هو فهم قاصر ومغشوش للمسؤولية الانتدابية، يُراد منه إرغام المواطن على التخلي عن حقه في المساءلة مقابل لحظة «تدشين». والأدهى من ذلك أن تتحول التنمية إلى مسرح للصور والبلاغات الصحفية. تُتقن هذه المجالس لعبة «صناعة الانطباع»، فتخلط بين البرمجة والإنجاز، وتبيع الناس مشاريع لا تزال على الورق باعتبارها حقائق ساطعة! إنها إحدى الحيل الأكثر إضراراً بالثقة العامة: أن يُقدَّم المستقبل باعتباره ماضياً منجزاً.

بطبيعة الحال، المعيار الحقيقي للنقد الحصيف ليس التوقيت وحده، بل المسار الكامل: متى بُرمج المشروع؟ ولماذا تعثر؟ وما قيمته المضافة؟ فهناك فرق جوهري بين مجلس تأخر لأسباب موضوعية واجهها بشفافية، ومجلس ترك الملفات تتراكم حتى أصبحت حصيلته الهزيلة عبئاً على مستقبله السياسي، فاستيقظ مذعوراً.

نهاية الولاية يجب أن تكون لحظة حقيقة كاشفة، لا مسرحية لتسويق الأوهام. المجلس الذي يحترم ذكاء مواطنيه لا يخشى نشر أرقامه، ولا يتحرج من الاعتراف بالفشل، بل يقدم حصيلة واضحة تتضمن ما أُنجز وما تعثر. أما الحصيلة التي تختزل سنوات من التدبير في كتالوج من الصور الجميلة والتدشينات المتأخرة، فليست وثيقة سياسية، بل مجرد «منشور دعائي».

إن التنمية المحلية ليست موسماً موسمياً، والساكنة ليست جمهوراً يُطلب منه التصفيق في الفصل الأخير من المسرحية. والمواطن لا يحتاج إلى مجلس ينشط في الأشهر الأخيرة ليثبت حبّه للمدينة، بل إلى مجلس لا ينام عن مصالحه أصلاً.

فالطريق التي تُعبّد عشية الانتخابات لا تمحو سنوات التعثر، والصورة التي تُنشر اليوم لن تعوض فرص التنمية الهادرة بالأمس. ولذلك، فإن السؤال الصحيح الذي يجب أن يواجه به الناخبُ كل منتخب يقف أمامه اليوم ليس: ماذا أنجزت الآن؟ بل: لماذا انتظرت حتى الآن؟

إن المراهنة على محو عجز سنوات بقليل من «الإسفلت» عشية الانتخابات ليست مجرد استخفاف بذكاء المواطن، بل هي تزييف صريح لمعنى الوكالة الانتخابية. فالشرعية السياسية لا تُقاس بحجم الأوراش التي تُفتح متأخرة تحت ضغط الخوف من الصندوق، بل بالأثر المستدام الذي يلمسه الناس في حياتهم اليومية على مدى الولاية كلها. وفي مغرب اليوم، لم يعد الناخب يخوض معركة «استجداء الخدمات»، بل بات يمارس حق المساءلة؛ ولن تُجدي نفعاً تلك الصور التذكارية أمام الآليات لمن قضى ولايته في حالة «موت سريري». فصندوق الاقتراع لم يُوجد ليكون مكافأة على صحوة متأخرة، بل ليكون مقصلة سياسية تعاقب كل من ظنّ أن التنمية مجرد موسم انتخابي، وأن ذاكرة الناس أقصر من الشارع الذي أُعيد تعبيده في الوقت بدل الضائع.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: