الدراجات النارية الصينية الرخيصة: غزوٌ للطرقات وفوضى عارمة واستهتار بأرواح المواطنين - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الإثنين, أكتوبر 12, 2026
اسرة و مجتمع

الدراجات النارية الصينية الرخيصة: غزوٌ للطرقات وفوضى عارمة واستهتار بأرواح المواطنين

الأحداث✍️عبد الصادق عبادة
لم تعد الفوضى التي تعرفها شوارعنا بسبب بعض مستعملي الدراجات النارية أمرًا يمكن السكوت عنه أو التعامل معه بمنطق التساهل والتبرير، بل أصبحت مشكلة مقلقة تهدد سلامة المواطنين، وتطرح أسئلة جدية حول شروط استيراد هذه المركبات وتسويقها ومراقبتها، وحول مسؤولية الجهات المعنية عن الحد من مخاطرها.

والمقصود هنا، على وجه الخصوص، الانتشار الواسع لبعض الدراجات النارية الصينية الصنع منخفضة الثمن، التي أصبحت في متناول فئات واسعة من الشباب والمراهقين، والذين يستعمل بعض سائقيها الطرقات بطريقة عبثية واستعراضية، دون أدنى احترام لقواعد السير أو اعتبار لحياة الآخرين.
لقد تحولت بعض الشوارع والأحياء إلى فضاءات للفوضى بسبب دراجات تنطلق بسرعة مفرطة، وتصدر أصواتًا مزعجة، وتناور بين السيارات، وتسير أحيانًا في الاتجاه المعاكس، فيما يعمد بعض المتهورين إلى رفع العجلة الأمامية والقيام بحركات بهلوانية وسط حركة المرور، وكأنهم فوق القانون، وكأن أرواح المارة ومستعملي الطريق لا قيمة لها.

والأدهى من ذلك أن بعض هذه المشاهد يُصوَّر ويُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي للتباهي وجمع الإعجابات، فيتحول التهور إلى مادة للاستعراض، ويصبح تعريض الحياة للخطر وسيلة للبحث عن الشهرة الرخيصة.
إن الحديث عن الدراجات الصينية منخفضة الثمن لا يتعلق بمجرد بلد المنشأ، ولا يعني أن كل دراجة صينية الصنع رديئة أو خطيرة؛ بل يتعلق بواقع سوق تنتشر فيه مركبات متفاوتة الجودة والتجهيزات، وبضرورة التأكد من مطابقة كل دراجة لمعايير السلامة والجودة، ومدى صلاحية مكابحها وإطاراتها وأضوائها وبقية مكوناتها، فضلًا عن مراقبة الصيانة والتعديلات التي قد تُجرى عليها بعد البيع.
فحين يكون انخفاض الثمن هو العامل الحاسم في اقتناء المركبة، دون اهتمام كافٍ بالسلامة والمتانة وخدمات الصيانة، فإن الخطر يصبح أكبر، خصوصًا إذا اجتمع ذلك مع القيادة المتهورة وغياب الخوذة وعدم احترام القانون.

وهنا يحق للمواطن أن يتساءل بصوت مرتفع: هل تخضع جميع الدراجات النارية المستوردة، ولا سيما الأنواع الصينية منخفضة الثمن، لمراقبة تقنية صارمة تضمن سلامتها قبل دخول السوق؟ وهل تُراقب مطابقة تجهيزاتها للمعايير المطلوبة؟ وهل تتم مراقبة الدراجات التي تُباع بأسعار مغرية ثم تُستعمل يوميًا في ظروف قاسية، أو تُعدّل بطريقة تمس بسلامتها؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتبين عيوب تقنية في مركبة تسببت في حادث خطير؟
إنها أسئلة مشروعة تستوجب أجوبة واضحة من الجهات المختصة، بعيدًا عن التعميم والتهرب من المسؤولية.
وتزداد خطورة الوضع عندما تُوضع هذه الدراجات بين أيدي مراهقين وقاصرين لا يستوفون السن القانونية المطلوبة لقيادتها، أو يفتقرون إلى التكوين والوعي اللازمين للتعامل مع مخاطر الطريق.

فسهولة اقتناء دراجة رخيصة لا تعني أن قيادتها أمر بسيط، وانخفاض ثمنها لا يجعلها لعبة، كما أن شراءها لأبناء لم يستوفوا الشروط القانونية ليس دليلًا على الرعاية، بل قد يكون تصرفًا غير مسؤول يفتح الباب أمام مأساة كان بالإمكان تفاديها.
وعلى الأسر أن تدرك أن مسؤوليتها لا تنتهي عند دفع ثمن الدراجة، بل تبدأ من التأكد من أهلية من سيقودها، ومن قانونية استعمالها، ومن توفر وسائل الحماية والالتزام بقواعد السير.
أما الأرقام المرتبطة بحوادث السير في المغرب، فهي تكشف حجم الخطر الذي لا يجوز الاستهانة به. فقد أظهرت الإحصائيات المنشورة أن سنة 2024 سجلت 142,247 حادثة سير جسمانية و3,641 وفاة على الصعيد الوطني، بينما أشارت معطيات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية إلى تسجيل أكثر من 1,400 وفاة في صفوف مستعملي الدراجات النارية سنة 2022.

وهذه أرقام تفرض التحرك العاجل، مع التنبيه إلى أنها لا تحدد عدد الحوادث والوفيات المرتبطة بالدراجات الصينية الصنع تحديدًا، إذ لا يجوز تحميل بلد المنشأ مسؤولية هذه الحصيلة دون بيانات رسمية تفصل الحوادث بحسب نوع الدراجة وصانعها وحالتها التقنية وظروف استعمالها.
إن المشكلة لا يمكن اختزالها في السائق وحده، كما لا يجوز إلقاء المسؤولية على بلد التصنيع وحده. فهناك سلسلة من المسؤوليات تبدأ من المستورد والموزع، مرورًا بمراقبة المطابقة والجودة والصيانة، وصولًا إلى البائع والسائق والأسرة والجهات المكلفة بتطبيق القانون.
وإذا كانت بعض الدراجات غير مطابقة لشروط السلامة، فيجب منع تسويقها أو سحبها وفق الإجراءات القانونية. وإذا كان السائق يقود بتهور، فيجب ردعه ومحاسبته. وإذا ثبت أن هناك تعديلات غير قانونية أو تجهيزات خطيرة، فيجب التعامل معها بالحزم نفسه.

أما ترك الوضع يتفاقم، ثم الاكتفاء بالحديث عن التوعية بعد وقوع الحوادث، فليس إلا استمرارًا في سياسة رد الفعل بدل الوقاية.
إن المطلوب اليوم هو تشديد المراقبة التقنية على الدراجات النارية المستوردة والمتداولة في السوق، مع اهتمام خاص بالفئات منخفضة الثمن، والتحقق من سلامة المكابح والإطارات والأضواء والتجهيزات الأساسية، وضمان توفر قطع الغيار وخدمات الصيانة.
كما ينبغي تكثيف المراقبة الطرقية، والتصدي للتسابق غير القانوني والسياقة الاستعراضية والسرعة المفرطة والضجيج المخالف للقانون، ومحاسبة كل من يقود دون استيفاء الشروط القانونية، مع تطبيق التدابير المقررة قانونًا على المركبات المخالفة.
ويجب كذلك تعزيز حماية مستعملي الطريق، ولا سيما الراجلين، الذين لا ينبغي أن يدفعوا حياتهم ثمنًا لفوضى لم يتسببوا فيها.

كفى من تحويل الشوارع إلى حلبات للاستعراض، وكفى من التساهل مع دراجات تُستعمل أحيانًا خارج كل ضوابط السلامة والقانون! لا يعقل أن يصبح المواطن خائفًا من عبور الطريق، وأن تتحول راحته إلى ضحية لضجيج الدراجات ومناورات سائقيها، وأن تظل الأسر مهددة بفقدان أبنائها بسبب لحظة طيش.
كما لا يعقل أن تُترك أسئلة جودة بعض المركبات ومطابقتها للمعايير دون أجوبة واضحة، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن السلامة الطرقية.
إن المطالبة بالمراقبة الصارمة للدراجات الصينية الرخيصة ليست دعوة إلى التمييز ضد منتج بسبب جنسيته، بل هي مطالبة مشروعة بضمان الجودة والسلامة، ومحاسبة كل من يطرح في السوق مركبة غير مطابقة للقانون، وردع كل من يستعمل الطريق باستهتار.

فالمعيار يجب أن يكون واضحًا: لا تسويق لمركبة غير آمنة، ولا قيادة دون استيفاء الشروط القانونية، ولا تساهل مع من يعرض حياة المواطنين للخطر.
أرواح المغاربة ليست رخيصة حتى تصبح سلامتهم رهينة دراجات لا تُراقب كما ينبغي، أو سائقين لا يعترفون بالقانون.
الطريق ملك للجميع، والسلامة حق للجميع، والمحاسبة واجب لا يقبل التأجيل. وإذا كان ثمن الدراجة منخفضًا، فإن ثمن الخطأ قد يكون حياة إنسان، ودمار أسرة، ومأساة لا تعوضها أي غرامة.
لذلك، آن الأوان لوضع حد للفوضى، وفرض رقابة حقيقية على جودة الدراجات المستوردة، وفي مقدمتها الفئات الصينية منخفضة الثمن، وتطبيق القانون بصرامة وعدالة على كل مخالف، أيًا كان عمره أو نوع الدراجة التي يقودها.
فلا قيمة لرخص الثمن إذا كان أمن المواطن هو الثمن الباهظ الذي يدفعه المجتمع.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: