
الأحداث✍️عبد اللطيف أبوربيعة
لم تكن كلمات جلالة الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة افتتاح البرلمان، مجرد عبارة عابرة في سياق خطاب سياسي، بل حملت رسالة واضحة إلى الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا، مفادها أن المغرب لم يعد يقبل بأي منطق يجعل الشراكة الدولية وسيلة للضغط على قراره السيادي أو أداة لانتزاع مواقف تخدم مصالح الطرف الآخر. فحين يؤكد جلالته أن «الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز»، فإن الأمر يتعلق بتحديد صريح لقواعد العلاقة التي يريدها المغرب مع شركائه: الاحترام المتبادل، والندية، والوفاء بالالتزامات.
لقد اعتادت العلاقات الدولية أن تتأرجح بين المصالح والتجاذبات، لكن الخط الفاصل بين التفاوض المشروع والضغط غير المقبول يظل واضحاً. فالتفاوض يقتضي الاعتراف باستقلالية الطرف الآخر، أما محاولة فرض الخيارات عليه باستعمال أوراق اقتصادية أو سياسية أو دبلوماسية، فتقوض الثقة التي يفترض أن تقوم عليها أي شراكة مستدامة. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي للأوروبيين أن ينظروا إلى الموقف المغربي باعتباره تشدداً أو رغبة في التصعيد، بل باعتباره دفاعاً عن مبدأ أساسي في العلاقات بين الدول: لا شراكة حقيقية من دون احترام السيادة.
وتجد إسبانيا نفسها، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، في قلب هذه الرسالة. فالعلاقة بين الرباط ومدريد ليست علاقة عابرة، بل هي ارتباط استراتيجي تفرضه ملفات التجارة والاستثمار والأمن والهجرة والتعاون الإقليمي. غير أن أهمية هذه الملفات لا تمنح أي طرف حق تحويلها إلى أدوات ضغط متى اختلفت الحسابات أو تباينت المواقف. فالمغرب ليس مجرد جار تحتاج إليه إسبانيا عند الضرورة، ولا شريكاً يُستدعى عندما تتطلب المصالح ذلك، ثم يُطلب منه التراجع حين يتعلق الأمر باختياراته السيادية.
إن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود خلافات بين البلدين، فالاختلاف أمر طبيعي في العلاقات الدولية، وإنما في الطريقة التي تُدار بها هذه الخلافات. هل يجري تدبيرها عبر الحوار والتفاوض واحترام المصالح المتبادلة، أم يجري توظيفها لإرسال رسائل ضغط ومحاولة التأثير في القرار الوطني؟ هنا تحديداً تتضح قيمة الموقف الملكي، لأنه يضع قاعدة لا تحتمل التأويل: التعاون اختيار متبادل، وليس التزاماً يسمح لطرف بفرض إرادته على الطرف الآخر.
أما أوروبا، التي تجعل من احترام القانون الدولي واستقلالية الدول مبادئ معلنة في خطابها الدبلوماسي، فهي مطالبة بأن تجعل هذه المبادئ أساساً عملياً لعلاقاتها مع المغرب. فلا يمكن المطالبة بشراكة استراتيجية متينة، ثم التعامل مع مصالح الشريك أو ثوابته بمنطق الانتقائية. كما لا يستقيم أن يُنتظر من المغرب تقديم مساهمات متواصلة في ملفات ذات أهمية أوروبية، من دون إيلاء مصالحه الوطنية الاعتبار نفسه.
ولا يعني هذا الموقف أن المغرب يدعو إلى الانغلاق أو يلوّح بقطع الجسور مع شركائه الأوروبيين. على العكس، فإن الشراكة القائمة على الندية تتيح فرصاً أوسع للتعاون، لأنها تحرر العلاقات من منطق الارتهان وتؤسسها على الثقة المتبادلة. لكن الانفتاح لا يعني التبعية، والحرص على المصالح المشتركة لا يعني التفريط في القرار السيادي، كما أن الحفاظ على علاقات حسن الجوار لا يفرض الصمت إزاء أي ممارسة قد تُفهم باعتبارها محاولة للضغط أو الإملاء.
ومن حق المغرب، مثل سائر الدول ذات السيادة، أن ينوع شراكاته وأن يحدد أولوياته وفق مصالحه الوطنية. وهذا التوجه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره موجهاً ضد أوروبا، بل باعتباره تعبيراً عن استقلالية القرار في عالم لم تعد فيه العلاقات الدولية محصورة في محور واحد أو شريك واحد. فكلما قامت الشراكات على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، ازدادت فرص استقرارها واستمرارها؛ وكلما تسللت إليها حسابات الضغط والإكراه، تراجعت الثقة وارتفعت كلفة الخلاف.
إن الرسالة الموجهة إلى مدريد وباقي العواصم الأوروبية واضحة: المغرب يريد شراكة قوية، لكنه يريدها شراكة بين أطراف متكافئة في الاحترام، لا علاقة يُختبر فيها استقلال قراره كلما برز خلاف سياسي. فالشريك الحقيقي هو من يختلف معك من دون أن يسعى إلى إخضاعك، ويتفاوض معك من دون أن يهددك، ويدافع عن مصالحه من دون أن ينتقص من مصالحك.
في نهاية المطاف، ليست المسألة سباقاً دبلوماسياً بين المغرب وأوروبا، ولا دعوة إلى التصعيد مع إسبانيا، بل تتعلق بتصحيح فهم الشراكة نفسها. فالمغرب يمد يده إلى شركائه، لكنه لا يضع سيادته في كفة المساومة؛ ويحرص على التعاون، لكنه لا يقبل أن يتحول التعاون إلى أداة للضغط. وهذه ليست معادلة معقدة، بل قاعدة بسيطة ينبغي أن تستوعبها كل العواصم المعنية: الشراكة قرار سيادي، والاحترام المتبادل شرط لاستمرارها، وأي محاولة لإخضاع الإرادة الوطنية بالضغط أو التهديد لن تكون أساساً لعلاقة استراتيجية متوازنة.