
الأحداث✍️عبد الصادق
الجهوية المتقدمة لم تعد تحتمل الانتظار، واللاتمركز الإداري لم يعد ورشاً قابلاً للتأجيل. من خلال خطاب 9 أكتوبر 2026، يضع جلالة الملك محمد السادس مسألة نقل القرار من المركز إلى الجهات في صلب معركة التنمية، ويعيد طرح سؤال جوهري: ما جدوى المؤسسات الترابية إذا ظلت صلاحياتها الفعلية محدودة؟
لم يكن خطاب جلالة الملك محمد السادس أمام أعضاء مجلسي البرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، مجرد عرض للأولويات التنموية للمرحلة المقبلة، بل حمل رسالة مؤسساتية واضحة بشأن ضرورة تجاوز الاختلالات التي تعرقل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، والانتقال من مرحلة الالتزامات والنصوص إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
فحين يؤكد جلالته أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، فإن الأمر يتجاوز الدعوة إلى تسريع إجراء إداري أو استكمال نص تنظيمي. إنه تأكيد على أن استمرار تعثر نقل الاختصاصات والموارد من المركز إلى الجهات والأقاليم أصبح عائقاً أمام تحقيق الأهداف التنموية والاستجابة لانشغالات المواطنين.
المركزية المفرطة.. العائق الذي يجب تجاوزه
لسنوات، ظل أحد أبرز التحديات التي تواجه التنمية الترابية مرتبطاً بالفجوة بين الاختصاصات المعلنة والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار وتنفيذه. فالمؤسسات الجهوية مطالبة بإعداد البرامج التنموية، وتحديد الأولويات، والمساهمة في جذب الاستثمار وتحسين الخدمات العمومية، لكنها لا تستطيع تحقيق هذه الأهداف بالسرعة والفعالية المطلوبتين عندما تظل بعض القرارات والموارد مرتبطة بمساطر مركزية طويلة ومعقدة.
وهنا تبرز الدلالة الأساسية للخطاب الملكي: لا يمكن الحديث عن تنمية ترابية مندمجة في ظل استمرار العراقيل التي تحد من قدرة الجهات على المبادرة والإنجاز.
إن المركزية المفرطة، حين تتجاوز دورها الطبيعي في التوجيه الاستراتيجي وضمان الانسجام بين السياسات العمومية، قد تتحول إلى عامل يبطئ القرار ويضعف المبادرة المحلية. والنتيجة أن المواطن يظل ينتظر حلولاً لمشكلات يعرفها المجال الترابي جيداً، بينما تتوزع المسؤوليات بين مستويات إدارية متعددة.
ليس المطلوب إضعاف الدولة أو الانتقاص من دور إدارتها المركزية، بل إعادة تنظيم عملها بما يجعلها أكثر فعالية، ويمنح المؤسسات الترابية القدرة على ممارسة اختصاصاتها في إطار القانون والمحاسبة.
رسالة ملكية واضحة: لا تنمية دون نقل فعلي للقرار
من أبرز ما يميز خطاب 9 أكتوبر 2026 أنه لم يكتف بالتأكيد على أهمية الجهوية المتقدمة، بل ربط نجاح التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج بضرورة تفعيل اللاتمركز الإداري.
كما دعا جلالة الملك إلى وضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، وإلى تحديد الاختصاصات بشكل أوضح، وتعزيز الموارد البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات من خلال آليات للتنسيق والتعاقد، بما يمكّن الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
إن هذه التوجيهات تضع جوهر الإصلاح في مكانه الصحيح: لا قيمة لاختصاص لا تصاحبه وسائل ممارسته، ولا جدوى من مسؤولية لا تقابلها سلطة فعلية، ولا يمكن مطالبة مؤسسة بتحقيق النتائج إذا كانت قدرتها على القرار والتنفيذ مقيدة بعراقيل خارج نطاق اختصاصها.
وبهذا المعنى، فإن الرسالة الضمنية للخطاب هي ضرورة القطع مع الممارسات التي تجعل المركز مرجعاً إلزامياً في ملفات يمكن تدبيرها على المستوى الترابي، والانتقال إلى نموذج إداري يقوم على توزيع واضح للصلاحيات، وتقريب القرار من المواطن، وربط المسؤولية بالنتائج.
اللامركزية واللاتمركز.. إصلاحان متكاملان لا بديلان
من الضروري هنا التمييز بين مفهومين كثيراً ما يقع الخلط بينهما.
فاللامركزية تعني تمكين الجماعات الترابية، وفي مقدمتها الجهات، من ممارسة اختصاصاتها في إطار الشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي الذي يقره القانون. أما اللاتمركز الإداري فيعني نقل الاختصاصات والوسائل من الإدارات المركزية إلى المصالح الإدارية التابعة لها على المستوى الترابي.
وتكمن أهمية الجمع بينهما في أن الجهة لا تستطيع أن تكون فاعلاً تنموياً حقيقياً إذا كانت اختصاصاتها لا تجد إدارة ترابية تمتلك الصلاحيات والموارد اللازمة لتنفيذ السياسات والبرامج.
ومن ثم، فإن تفعيل الجهوية المتقدمة لا يتحقق بمجرد تقوية المؤسسات المنتخبة، كما أن إصلاح الإدارة لا يكتمل بمجرد إحداث مصالح خارجية للوزارات. المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجعل التخطيط الجهوي والقرار الإداري والتنفيذ الميداني حلقات مترابطة، لا مستويات تتبادل المسؤولية عن التعثر.
إن الرهان الحقيقي ليس في نقل الملفات من مكتب إلى آخر، ولا في تغيير العناوين الإدارية دون تغيير طريقة اتخاذ القرار. الرهان هو نقل القدرة على الفعل، بما يشمل الاختصاصات الواضحة، والموارد البشرية المؤهلة، والاعتمادات المالية الكافية، وآليات التنسيق بين مختلف المتدخلين.
فالمشروع التنموي الذي يحتاج إلى موافقات متتالية، رغم وضوح المسؤوليات والحاجيات المحلية، قد يفقد جزءاً من أثره بسبب التأخير. والاستثمار الذي يصطدم بتداخل الاختصاصات وضعف التنسيق قد يتأخر أو يتعثر. والخدمة العمومية التي لا تملك الإدارة الترابية صلاحية تحسينها تبقى رهينة مساطر لا يشعر المواطن بجدواها.
لهذا، فإن نقل الصلاحيات إلى الجهات والأقاليم ليس مطلباً إدارياً محدوداً، بل شرط من شروط تحسين مناخ الاستثمار، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحقيق العدالة المجالية.
غير أن تجاوز المركزية المفرطة لا يعني استبدال بطء القرار المركزي بضعف الحكامة المحلية. فتمكين الجهات من صلاحيات أوسع يجب أن يقترن بتحديد دقيق للمسؤوليات، وتطوير الكفاءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتقييم أداء المشاريع وفق نتائج قابلة للقياس.
إن نقل القرار إلى المستوى الترابي يقتضي أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها عن اختياراتها وبرامجها، وأن تكون قادرة على تفسير التأخير، وتبرير أوجه صرف الموارد، وقياس أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين.
وبذلك، تصبح اللامركزية وسيلة لتحسين الأداء والمساءلة، وليس مجرد إعادة توزيع للاختصاصات بين المؤسسات.
الخلاصة: مرحلة التنفيذ بدأت، والمواطن ينتظر النتائج
إن خطاب جلالة الملك ليوم 9 أكتوبر 2026 يعيد وضع الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري في قلب مشروع تحديث الدولة المغربية. فالتوجيه الملكي لا يقتصر على الدعوة إلى تسريع الإصلاح، بل يحدد أيضاً عناصر أساسية لنجاحه: نقل الصلاحيات والموارد، وتوضيح الاختصاصات، وإزالة العراقيل، وتنظيم العلاقة بين الدولة والجهات، وتمكين المؤسسات الترابية من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
ومن هنا، يمكن قراءة الخطاب باعتباره دعوة إلى تجاوز منطق المركزية المفرطة، لا بإلغاء دور المركز، وإنما بإعادة تعريفه ضمن دولة موحدة، قوية بمؤسساتها، وفعالة بإدارتها، وقادرة على منح الجهات هامش القرار الذي تحتاج إليه للقيام بأدوارها التنموية.
فالرسالة الأبرز اليوم هي أن الجهوية المتقدمة لا تُقاس بعدد المجالس والبرامج والمخططات، وإنما بمدى قدرة الجهات على اتخاذ القرار وإنجاز المشاريع والاستجابة لحاجيات المواطنين. وعندما تصبح الصلاحيات واضحة والموارد متاحة والمسؤوليات محددة، ينتقل الإصلاح من النصوص إلى الواقع، وتتحول التنمية الترابية من وعد مؤسساتي إلى أثر ملموس في حياة المغاربة.