
الاحداث Alahdat.net
مقال رأي / بقلم يوسف بودرهم
إن ورش إرساء المجموعات الصحية الترابية بالمغرب لا يمكن اختزاله في مجرد توحيد الهياكل الإدارية أو إعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات، وإنما هو تحول مؤسساتي عميق يفترض توفير شروط الحكامة والانسجام الإداري والنجاعة التدبيرية.
غير أن واقع إدماج المديرية الجهوية للصحة بإدارة المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى جاهزية الإدارة لمواكبة هذا التحول، في ظل ما يبدو من ارتباك في تدبير المرحلة، وتداخل في الاختصاصات، وصراع صامت حول المناصب ومراكز المسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه هذا الورش ليس اختلاف الرؤى حول التدبير، وإنما أن تتحول عملية الاندماج إلى مجال لتصفية الحسابات الإدارية أو إعادة ترتيب مواقع النفوذ، على حساب استمرارية المرفق العمومي الصحي.
فكيف يمكن الحديث عن توحيد الإدارة في غياب بيئة إدارية منسجمة؟ وكيف ننتظر مردودية مؤسساتية في ظل إكراهات لوجستيكية، ونقص في التجهيزات والوسائل، وعدم توفير البنيات والفضاءات الضرورية لاستيعاب هذا التحول؟
إن توحيد الهياكل دون توحيد الرؤية، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الموارد، يهدد بتحويل مشروع الإصلاح إلى مصدر إضافي للارتباك، وقد يفضي إلى شلل إداري صامت تتعطل معه مصالح الموظفين والمهنيين وتتأثر جودة الخدمات الصحية.
وهنا نوجه السؤال مباشرة إلى صناع القرار:
هل جرى التفكير في الأثر الإداري والمهني لهذا الاندماج قبل تنزيله؟ وهل تم توفير الشروط المادية والتنظيمية اللازمة؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات التي قد تنتج عن غموض الاختصاصات وتضارب مراكز القرار؟
إن الموظف ومهني الصحة ليسا مجرد رقم في عملية إعادة الهيكلة، والمواطن ليس طرفاً يمكن مطالبته بانتظار اكتمال الترتيبات الإدارية إلى أجل غير مسمى.
فالمتضرر الأول من هذا الارتباك هو الموظف الذي يبحث عن وضوح وضعيته الإدارية، ومهني الصحة الذي يحتاج إلى بيئة عمل مستقرة، والمواطن الذي ينتظر خدمة صحية تحفظ كرامته وحقه في العلاج.
إن إصلاح المنظومة الصحية لا يقاس بعدد المراسيم و الهياكل التي أُحدثت، وإنما بمدى قدرتها على تحسين شروط العمل، وضمان استمرارية المرفق، والارتقاء بجودة الخدمات.
وعليه، فإن المسؤولية السياسية والإدارية تقتضي تدخلاً عاجلاً لتصحيح مسار الاندماج، وتجاوز منطق الصراع على المسؤوليات، وتوفير الشروط اللوجستيكية والبشرية والتنظيمية الكفيلة بإنجاح هذا الورش.
فلا يمكن بناء حكامة صحية جديدة بعقلية إدارية قديمة، ولا يمكن أن يكون توحيد الإدارة سبباً في تفكيك الانسجام المؤسساتي.
الإصلاح الذي لا يشعر به الموظف في استقرار وضعه، ولا يلمسه المواطن في جودة الخدمة، يظل إصلاحاً ناقصاً مهما كانت عناوينه كبيرة.