الخرجات الأخيرة لرؤساء الأحزاب بالمغرب.. تواصل سياسي أم حملات انتخابية سابقة لأوانها؟ - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الخميس, أكتوبر 15, 2026
سياسة

الخرجات الأخيرة لرؤساء الأحزاب بالمغرب.. تواصل سياسي أم حملات انتخابية سابقة لأوانها؟

الأحداث✍️المهدي العلمي الإدريسي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، يشهد المشهد السياسي والحزبي المغربي حركية متزايدة، تتجلى في تكثيف اللقاءات التواصلية والتجمعات والزيارات الميدانية التي يقودها الأمناء العامون ورؤساء الأحزاب بمختلف المدن والجهات.
وتطرح هذه الدينامية السياسية، التي تتزامن مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي، سؤالاً مشروعاً حول طبيعة هذه التحركات: هل يتعلق الأمر بممارسة طبيعية للتواصل السياسي مع المواطنين، أم أن بعضها بدأ يأخذ ملامح حملة انتخابية سابقة لأوانها؟
السؤال لا يرتبط فقط بتوقيت هذه الخرجات، وإنما أيضاً بطبيعة الخطاب السياسي والمضامين التي تقدم خلالها، والرسائل التي تسعى مختلف التنظيمات الحزبية إلى إيصالها للناخبين.
الأغلبية.. الدفاع عن الحصيلة أم استباق الحملة الانتخابية؟
بالنسبة لأحزاب الأغلبية الحكومية، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، بحكم مسؤوليتها المباشرة عن تدبير الشأن العام خلال الولاية الحالية.
ومن حق هذه الأحزاب، بل من صميم أدوارها السياسية، أن تتواصل مع المواطنين وأن تقدم حصيلة عملها، وتشرح ما تعتبره منجزات، كما أن من حقها الدفاع عن اختياراتها الحكومية وتقديم رؤيتها للمرحلة المقبلة.
غير أن الإشكال يبرز عندما يتحول النشاط الحزبي من فضاء للنقاش والاستماع إلى المواطنين إلى منصة لتقديم الحصيلة بلغة انتخابية صريحة، خصوصاً عندما يطغى على الخطاب منطق “أنجزنا” و”سنواصل” و”نحن الأقدر”، بالتوازي مع انتقاد المنافسين واستحضار الاستحقاقات المقبلة.
وهنا يصبح الفصل بين التواصل السياسي والتعبئة الانتخابية أمراً بالغ الصعوبة.
فكلما اقترب موعد الانتخابات، أصبح من الطبيعي أن تسعى أحزاب الأغلبية إلى تحويل حصيلتها الحكومية في مجالات الاقتصاد والتشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والقدرة الشرائية وغيرها إلى رصيد سياسي يمكن أن يشكل أساساً لطلب تجديد الثقة.
المعارضة.. مساءلة الحكومة أم بناء رصيد انتخابي؟
في المقابل، تتحرك أحزاب المعارضة ضمن معادلة مختلفة، إذ لا تملك حصيلة حكومية للدفاع عنها، ويتركز خطابها أساساً على مساءلة الحكومة وانتقاد سياساتها وتقديم بدائل وبرامج مغايرة.
غير أن هذا الدور، وإن كان جزءاً أساسياً من العمل الديمقراطي، يحمل بدوره أبعاداً انتخابية واضحة، خاصة عندما تنتقل قيادات المعارضة إلى مختلف المدن والجهات، وتخاطب المواطنين حول غلاء المعيشة والبطالة والخدمات العمومية وغيرها من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
فالزعيم الحزبي المعارض، عندما يلتقي المواطنين ويناقش قضاياهم، يؤدي وظيفة سياسية مشروعة، لكنه في الوقت نفسه يخاطب كتلة انتخابية محتملة.
وتبدو المعارضة، في هذه المرحلة، أمام تحدي إعادة بناء الثقة مع الناخبين وتقديم نفسها باعتبارها بديلاً سياسياً قادراً على تدبير المرحلة المقبلة، في ظل تنافس حزبي متزايد استعداداً لاستحقاقات 2026.
المواطن في قلب المعادلة
وسط هذا الحراك بين الأغلبية والمعارضة، يبقى المواطن هو الطرف الأهم في المعادلة السياسية.
فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى خطابات موسمية تظهر مع اقتراب الانتخابات ثم تختفي بعد إغلاق صناديق الاقتراع، بقدر ما يحتاج إلى تواصل سياسي مستمر، يجعل الأحزاب حاضرة إلى جانبه خلال مختلف مراحل الولاية الانتخابية، وليس فقط خلال فترة البحث عن الأصوات.
وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في خروج رؤساء الأحزاب إلى الميدان أو عقدهم لقاءات مع المواطنين، وإنما في طبيعة هذا التواصل ومضمونه.
هل يتعلق الأمر باستماع فعلي لانشغالات المواطنين؟ وهل تقدم هذه اللقاءات حلولاً وبرامج قابلة للتنفيذ؟ وهل تتضمن أيضاً اعترافاً بالإخفاقات والأخطاء إلى جانب الحديث عن المنجزات؟ والأهم، هل يستمر هذا التواصل بعد انتهاء الانتخابات؟
لقد أصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب السياسي المسؤول والخطاب الانتخابي، كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في جعل مواقف السياسيين وخطاباتهم موضع متابعة وتوثيق ومقارنة ومساءلة مستمرة.
أين تنتهي الممارسة الحزبية وتبدأ الحملة الانتخابية؟
من الناحية السياسية، ليس من السهل رسم حدود دقيقة بين النشاط الحزبي العادي والاستعداد للانتخابات، فالأحزاب السياسية مطالبة بطبيعتها بالتواصل مع المواطنين والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
غير أن الديمقراطية لا تقوم فقط على ضمان حق الأحزاب في التحرك والتواصل، وإنما تقوم أيضاً على احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص والالتزام بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
ومن هذا المنطلق، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في كثرة الخرجات السياسية، وإنما في احتمال تحول الحياة الحزبية إلى حملة انتخابية دائمة، يتم خلالها اختزال العمل السياسي في المهرجانات واللقاءات والظهور الإعلامي.
كما أن الخطر يكمن في أن تتحول البرامج الانتخابية إلى مجرد شعارات، وأن يصبح المواطن هدفاً لاستقطاب الأصوات بدل أن يكون شريكاً حقيقياً في صياغة السياسات العمومية.
امتحان المصداقية
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تبدو الأغلبية والمعارضة أمام امتحان حقيقي للمصداقية.
فالأغلبية مطالبة بأن تقدم للمواطن حصيلة واضحة وشفافة: ماذا أنجزت؟ ماذا لم تتمكن من إنجازه؟ وما أسباب ذلك؟ وما الذي تقترحه خلال الولاية المقبلة؟
أما المعارضة، فهي مطالبة بدورها بتقديم إجابات عملية عن سؤال البديل: ماذا ستفعل في حال حصولها على ثقة الناخبين؟ وما طبيعة مشروعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟ وكيف ستترجم وعودها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ؟
فالناخب لا يبحث فقط عن حكومة تدافع عن حصيلتها، ولا عن معارضة تجيد توجيه الانتقادات، وإنما يبحث عن مشروع سياسي متكامل، واضح في أهدافه وواقعي في وعوده وقابل للمحاسبة.
الخرجات ليست المشكلة.. المضمون هو الفيصل
إن الخرجات الأخيرة لرؤساء الأحزاب المغربية يمكن أن تندرج ضمن التواصل السياسي الطبيعي، لكنها في الوقت نفسه قد تحمل أبعاداً انتخابية واضحة، خصوصاً في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية.
ولذلك، فإن معيار الحكم على هذه التحركات ينبغي ألا يكون عدد اللقاءات أو حجم الحضور الإعلامي، وإنما طبيعة الخطاب ومضمونه ومدى احترام قواعد المنافسة والشفافية.
فإذا كانت اللقاءات مناسبة حقيقية للاستماع إلى المواطنين، ومناقشة قضاياهم، وتقديم برامج وأفكار قابلة للنقاش والمحاسبة، فإنها تشكل ممارسة ديمقراطية مطلوبة.
أما إذا تحولت إلى فضاءات لاستعراض القيادات وتبادل الاتهامات وتقديم الوعود الانتخابية قبل موعدها، فإنها تقترب عملياً من مفهوم الحملة الانتخابية السابقة لأوانها، مهما اختلفت التسميات أو العناوين التي تقدم بها.
لقد دخل المغرب، بشكل واضح، أجواء الاستعداد للانتخابات التشريعية لسنة 2026، وهو ما تعكسه الحركية المتزايدة داخل مختلف الأحزاب والتحركات المرتبطة بالاستحقاق المقبل.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الأغلبية والمعارضة معاً هو الانتقال من سياسة التواصل مع المواطن إلى سياسة الإنصات للمواطن، ومن منطق استقطاب الأصوات إلى منطق استعادة الثقة، ومن تقديم الوعود إلى الالتزام ببرامج قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
وفي نهاية المطاف، لن تحسم الانتخابات كثرة اللقاءات ولا عدد الخرجات الإعلامية، وإنما قدرة كل حزب على إقناع المواطن بأن صوته يستحق أن يُمنح لمن يقدم مشروعاً واضحاً، ووعوداً واقعية، واستعداداً حقيقياً لتحمل المسؤولية والخضوع للمحاسبة بعد الوصول إلى صناديق الاقتراع.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: