آسفي.. فائض مالي معطّل لسنوات و رفض ميزانية 2027 : أين موقع التنمية المحلية من التوجيهات الملكية؟

الأحداث✍️عبد اللطيف أبوربيعة
في الوقت الذي يؤكد فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في توجيهاته وخطبه، على ضرورة جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، وتحسين جودة الخدمات، وتسريع وتيرة التنمية، تثير إشكالية تعثر التأشير على برمجة الفائض المالي ببعض الجماعات الترابية بإقليم آسفي تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام تدبير الشأن المحلي مع هذه التوجهات.
ففي جماعتي مول البركي وشهدة بٱسفي وربما بعض الجماعات الترابية الأخرى، وفق المعطيات المتداولة، يطرح تعثر برمجة الفائض المالي لسنوات سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تحقيق التنمية المحلية وتلبية انتظارات الساكنة إذا ظلت موارد مالية قابلة للتوظيف، متى استوفت الشروط القانونية، عاجزة عن التحول إلى مشاريع وخدمات تستجيب للحاجيات اليومية للمواطنين؟
إن الفائض المالي ليس مجرد رقم في الحسابات الجماعية، والميزانية ليست وثيقة إدارية تنتهي وظيفتها بالمصادقة عليها؛ فكلاهما أداة أساسية لتمويل المسالك الطرقية والإنارة العمومية وتأهيل المرافق وتحسين ظروف العيش. وكل تأخير في توظيف الموارد المتاحة وفق القانون قد يعني تأجيل مشروع، واستمرار حاجة، واتساع الفجوة بين انتظارات المواطنين والنتائج المحققة على أرض الواقع.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع إعداد ميزانيات سنة 2027، في ظل مواقف اتخذها بعض أعضاء المجالس خلال دورة أكتوبر 2026، تمثلت، بحسب المعطيات المتداولة، في الانسحاب من الأشغال أو رفض المصادقة على مشروع الميزانية ل2027. وهي تطورات تستوجب الكشف عن أسبابها تفادياً لتحول الخلافات الإدارية والمؤسساتية إلى عائق أمام التنمية المحلية وتلبية حاجات رعايا صاحب الجلالة من المواطنات والمواطنين.
وكما هو معلوم لدى الجميع ، فقد جعلت الرؤية الملكية لتحديث الإدارة وتحسين علاقتها بالمواطن من النجاعة، وجودة الخدمات، وتبسيط المساطر، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مرتكزات أساسية لتطوير المرفق العمومي. كما أن التنمية الترابية المنشودة لا تقاس بعدد الاجتماعات أو الوثائق المصادق عليها، وإنما بقدرتها على الاستجابة الفعلية لحاجيات المواطنين وتقليص الفوارق المجالية.
ومن هذا المنطلق، فإن سلطات الوصاية مطالبة بممارسة الرقابة القانونية والمالية في إطار الوضوح والنجاعة، مع بيان أسباب عدم التأشير على الملفات المعنية، وتحديد الملاحظات الواجب تصحيحها، واحترام الآجال القانونية. فالمراقبة ضرورة لحماية المال العام، لكنها ينبغي أن تسهم في ضمان سلامة القرار وتسريع إنجاز المشاريع، لا أن تترك المجالس والساكنة أمام ملفات معلقة دون أجوبة واضحة.
وفي المقابل، تتحمل المجالس المنتخبة مسؤولية إعداد ميزانيات واقعية، وترتيب الأولويات بحسب حاجيات الساكنة، واحترام القوانين، وتقديم الحساب عن تدبير الموارد والبرامج. فالتوجيهات الملكية الرامية إلى تحقيق التنمية لا تعفي أي طرف من مسؤولياته، بل تجعل وضوح الاختصاصات والتنسيق بين المؤسسات والمحاسبة على النتائج أموراً ضرورية.
ولا تتوقف الإشكالية عند برمجة الفائض أو المصادقة على الميزانية، بل تمتد، وفق شكاوى متداولة، إلى بعض الإجراءات المتعلقة بالإصلاحات المنزلية البسيطة، بما يطرح ضرورة توضيح المساطر وتيسير الإجراءات المشروعة، مع احترام قوانين التعمير والسلامة.
فالمواطن الذي يقصد الإدارة لإنجاز إجراء قانوني، أو ينتظر إصلاح طريق أو تحسين خدمة عمومية، لا ينبغي أن يجد نفسه تائهاً بين المتدخلين أو مضطراً إلى البحث عن الجهة التي تتحمل المسؤولية. والمطلوب هو إدارة قريبة من المواطن، تشرح الإجراءات، وتقدم الحلول الممكنة، وتتعامل مع حاجياته باعتبارها جوهر الخدمة العمومية، لا عبئاً إدارياً إضافياً.
وهنا يجد المستشار الجماعي نفسه في مواجهة انتقادات الساكنة، حتى عندما تكون بعض الملفات خارج اختصاصه المباشر. لكن معالجة هذه الوضعية تقتضي ألا يكتفي المنتخبون بتبرير التعثر، وألا تكتفي الإدارة بالتمسك بمقتضيات المساطر؛ بل ينبغي أن يقدم كل طرف ما يثبت قيامه بواجباته، وأن يعمل الجميع على تجاوز الإكراهات في إطار القانون.
إن الوفاء لروح التوجيهات الملكية يقتضي الانتقال من منطق تدبير الإجراءات إلى منطق تحقيق النتائج، ومن تبادل المسؤوليات إلى تحديدها بدقة، ومن إعلان البرامج إلى تنفيذها على أرض الواقع.
وعليه، فإن المطلوب بإقليم آسفي هو توضيح أسباب تعثر برمجة الفائض المالي في الجماعات المعنية، والكشف عن انعكاساته على المشاريع، وتسريع معالجة الملفات المستوفية للشروط القانونية، مع تمكين المواطنين من معرفة مآل البرامج التي تهمهم.
إن الإدارة والمجالس المنتخبة ليستا غايتين في حد ذاتهما، بل وسيلتان لخدمة المواطن وتحقيق التنمية. ومن ثم، فإن الامتحان الحقيقي لكل منهما هو مدى قدرته على تحويل الموارد والاختصاصات إلى إنجازات ملموسة، انسجاماً مع الرؤية الملكية التي تجعل كرامة المواطن وتحسين ظروف عيشه في صلب المشروع التنموي للمملكة.لأن الساكنة تبقى في نهاية المطاف هي صاحبة الحق في معرفة الحقيقة، ومصير المشاريع، وأسباب التأخير، والجهة المسؤولة عنه. فالتنمية المحلية لا تحتمل استمرار الغموض، وانتظارات المواطنين لا ينبغي أن تظل رهينة ملفات عالقة؛ لأن خدمة المواطن ليست امتيازاً تمنحه الإدارة، بل هي الغاية الأساسية من وجود المرفق العمومي والمؤسسات المنتخبة.