
الأحداث✍️ بقلم محمد اعويفية
يبدو أن عبد الإله بنكيران لا يريد أن تمر مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة بالطريقة التي اعتاد عليها المشهد السياسي المغربي. فبعدما حسم حزب العدالة والتنمية، عبر زعيمه قبل مؤسساته، اختياره التموقع في المعارضة على أمل إسقاط الحكومة كما سبق وصرح بذلك ، جاء موعد اللقاء مع فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، ليكشف أن الخلاف لا يتعلق فقط بالمشاركة أو المعارضة، بل أيضا بمن يملك حق تحديد شكل اللقاء ومكانه.
بنكيران رحب من حيث المبدأ باللقاء، مؤكدا احترامه للصفة المؤسساتية لرئيسة الحكومة المعيّنة، لكنه رفض الانتقال إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة لعقد الاجتماع، معتبرا أن الجهة التي تبادر إلى طلب اللقاء هي التي ينبغي أن تنتقل إلى الطرف الآخر على اعتبار ان الإجراء مجرد تفصيل بروتوكولي لا أقل ولا أكثر وهنا بنكيران يريد من خلال هذا التصرف إرسال رسالة مبطنةو كبيرة.
في السياسة، المكان ليس دائما مجرد مكان. في الغالب يتحول إلى رسالة. والجلوس في مقر حزب معين، في سياق مشاورات تشكيل الحكومة، قد يقرأ باعتباره قبولا ضمنيا بقواعد اللعبة التي يحددها الحزب المتصدر والمكلف بتشكيل الأغلبية. ولذلك يبدو أن بنكيران يحاول أن يقول العدالة والتنمية اختار المعارضة، ولن يدخل من الباب الذي يؤدي إلى الحكومة، حتى ولو كان اللقاء مجرد لقاء تشاوري.
لكن المفارقة أن اللقاء نفسه لا يعني بالضرورة مفاوضات حول المشاركة. بنكيران قال بوضوح وقبل أن تحسم أجهزة الحزب قرارها المشاركة من عدمها إن قرار المعارضة محسوم، وإن اللقاء لن يغير موقف الحزب.
وهنا يطرح السؤال نفسه إذا كان القرار محسوما، فلماذا كل هذا التشدد حول المكان والبروتوكول؟
ربما لأن بنكيران يدرك أن السياسة لا تدار فقط بالقرارات الرسمية، وإنما أيضا بالإشارات والرموز. يريد أن يحافظ على المسافة بين حزب اختار المعارضة وبين حكومة يقودها الحزب الذي تصدر الانتخابات. كما يريد، على ما يبدو، أن يمنع أي مشهد يمكن أن يفهم منه أن العدالة والتنمية عاد إلى طاولة المفاوضات الحكومية من النافذة بعد أن أغلق باب المشاركة من خلال مؤسساته .
المشاورات الحكومية في جوهرها ليست منافسة حول من يزور من، ولا حول عنوان الاجتماع، وإنما هي عملية سياسية مرتبطة بتشكيل أغلبية قادرة على تحمل مسؤولية الحكومة. والدستور يجعل رئيس الحكومة المعين في قلب هذه العملية، بعدما يعينه الملك بعد تصدره لانتخابات مجلس النواب.
لذلك، فإن تحويل مكان اللقاء إلى قضية سياسية كبرى قد يعطي الانطباع بأن الصراع انتقل من مضمون المشاورات إلى بروتوكول المشاورات.
وبنكيران، بخبرته السياسية الطويلة، يعرف جيدا قيمة الرموز. فهو لا يريد فقط أن يقول إنه معارض؛ بل يريد أن يظهر معارضته منذ لحظتها الأولى كخيار مستقل، لا كطرف ينتظر دعوة إلى الأغلبية.
المثير في المشهد أن فاطمة الزهراء المنصوري لم تعلن إغلاق الباب أمام أي حزب، بل أكدت أن البرامج ستكون أساس التحالفات، وأن حزبها لا يضع خطوطا حمراء أمام أي حزب كيف ما كان .
هكذا يبدو أننا أمام رئيسة حكومة مكلفة تريد المرور عبر مشاورات سياسية واسعة بحثا عن أغلبية. ومن جهة أخرى، أمام بنكيران الذي يريد تثبيت قرار المعارضة قبل أن تبدأ المشاورات فعليا، حتى لا تتحول دعوة التواصل إلى مدخل لإعادة فتح نقاش المشاركة.
قد لا تكون معركة بنكيران الحقيقية مع مكان اللقاء، بل مع الصورة السياسية التي يمكن أن ينتجها هذا اللقاء.
فهو يريد أن يدخل المعارضة واقفا، لا جالسا في غرفة انتظار الحكومة.
وهذا بالضبط ما يجعل مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مختلفة منذ بدايتها فقبل أن تبدأ مفاوضات الحقائب والبرامج والأغلبية، بدأت معركة أخرى حول من يحدد قواعد المشهد، ومن يملك رمزية المبادرة، ومن يستطيع أن يقول لا منذ البداية …