النساخة بالمغرب: ذاكرة مهنة وتحولات مرحلة - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الخميس, نوفمبر 5, 2026
اسرة و مجتمع

النساخة بالمغرب: ذاكرة مهنة وتحولات مرحلة

الأحداث✍️ذة: كنزة العلوي/ قاضية التوثيق

ارتبطت النساخة بتاريخ التوثيق العدلي بالمغرب ارتباطاً وثيقاً، وشكلت، على امتداد عقود طويلة، إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها منظومة حفظ الشهادات والحقوق والمعاملات. ولم تكن النساخة مجرد عملية تقنية تروم نقل مضامين الرسوم العدلية من سجل إلى آخر أو استخراج نسخ منها، بل كانت ممارسة مهنية ذات جذور تاريخية عميقة، ساهمت في استمرارية العمل التوثيقي، وحفظ الذاكرة القانونية والاجتماعية للمجتمع المغربي.

فقد عرف المغرب منذ قرون اهتماماً كبيراً بتوثيق المعاملات والتصرفات القانونية، اعتباراً لما احتله التوثيق من مكانة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية. وكانت الوثيقة العدلية وسيلة أساسية لإثبات الحقوق وصيانة المعاملات، سواء تعلق الأمر بالزواج والطلاق والبيع والشراء والكراء والهبات والوصايا والإراثات والقسمات، أو بمختلف التصرفات التي تنشأ عنها آثار قانونية. وقد استند هذا النظام إلى قواعد الفقه الإسلامي، وإلى أعراف التوثيق التي تطورت عبر العصور، وأسهم العدول والفقهاء والقضاة في ترسيخها وتطويرها.

وفي هذا السياق التاريخي، برزت النساخة باعتبارها حلقة مكملة للعمل العدلي، إذ تولى الناسخ مهمة تضمين الشهادات في السجلات واستخراج نسخ الوثائق، وفق ضوابط دقيقة تقتضي الأمانة في النقل، والمحافظة على مضمون الشهادة، واحترام الصيغ والمصطلحات المتداولة في الكتابة العدلية. وكانت هذه المهمة تستوجب معرفة خاصة بلغة الوثائق وأساليب تحريرها، فضلاً عن القدرة على قراءة الخطوط القديمة والتعامل مع مختلف الصيغ الفقهية والقانونية التي تضمنتها الرسوم.

ومع تطور التنظيم القضائي بالمغرب، ولا سيما خلال فترة الحماية وما أعقبها من إصلاحات، أخذت النساخة تكتسب إطاراً تنظيمياً أكثر وضوحاً، وأصبحت مرتبطة بالمحاكم وبالإشراف القضائي، مما ساهم في ترسيخ دورها داخل منظومة التوثيق العدلي. وقد شكلت سجلات التضمين ذاكرة وثائقية غنية، لا تقتصر أهميتها على الجانب القانوني، بل تمتد إلى الجانب التاريخي والاجتماعي، لأنها تحفظ تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والأسر، وتكشف عن طبيعة المعاملات والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وعن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي عبر الزمن.

وتكتسي هذه السجلات أهمية خاصة بالنسبة للباحثين في التاريخ المحلي، إذ تتيح إعادة بناء جوانب من تاريخ المدن والأسر والعقارات والأنشطة التجارية، كما تكشف عن تطور القيم النقدية وأنماط المعاملات وأساليب إثبات الحقوق. ولذلك فإن عمل الناسخ لم يكن مجرد إجراء كتابي عابر، بل كان مساهمة مباشرة في إنتاج الذاكرة الوثائقية للمجتمع وصيانتها من الضياع.

وقد عرفت مهنة النساخة، في إطار تطورها التشريعي، تنظيماً خاصاً بموجب القانون رقم 49.00، الذي حدد شروط مزاولتها والمهام المرتبطة بها، وجعلها جزءاً من المنظومة المنظمة للتوثيق العدلي، تحت إشراف القاضي المكلف بالتوثيق. وبذلك انتقلت النساخة من ممارسة ارتبطت تاريخياً بأعراف التوثيق وحاجات المحاكم إلى مهنة لها إطار قانوني ومؤسساتي محدد، وهو ما يعكس أهمية الوظيفة التي اضطلعت بها في ضمان استمرارية العمل التوثيقي.

غير أن التحولات التي عرفتها منظومة العدالة بالمغرب، والتوجه نحو تحديث المهن القانونية وإعادة تنظيمها، أفرزت مرحلة جديدة في تاريخ هذه المهنة، توجت بصدور القانون رقم 051.26 المتعلق بتنظيم مهنة العدول. فقد حمل هذا النص التشريعي معه تحولاً مهماً في الوضع القانوني للنساخة، من خلال فتح إمكانية إدماج النساخ المزاولين في مهنة العدول وفق الشروط والضوابط الانتقالية التي حددها المشرع.

وهكذا، فإن دخول القانون الجديد حيز التنفيذ يشكل نهاية لمرحلة من تاريخ النساخة بصيغتها المهنية المستقلة، وبداية لمرحلة أخرى تنتقل فيها الكفاءات التي راكمها النساخ عبر سنوات من الممارسة إلى إطار مهني جديد. ولا ينبغي النظر إلى هذا التحول باعتباره إلغاءً للدور التاريخي الذي اضطلع به الناسخ، بل باعتباره تطوراً في بنية التوثيق العدلي، يستهدف إعادة توزيع الاختصاصات وتوحيد المسؤوليات المهنية ضمن التصور التشريعي الجديد.

إن ما يميز هذه المرحلة هو أن المشرع لم يتجاهل التجربة المهنية للنساخ، بل أتاح لهم، من خلال المقتضيات الانتقالية، إمكانية الاندماج في مهنة العدول، بما يعكس اعترافاً بما اكتسبوه من خبرة في تحرير الوثائق والتعامل مع الرسوم العدلية ومختلف إجراءات التوثيق. ويظل هذا الانتقال مناسبة لاستحضار ما قدمته هذه الفئة من خدمات لمرفق العدالة، وما تحملته من مسؤولية في حفظ الوثائق وضمان استمرارية العمل داخل المحاكم.

ومع انتهاء النساخة بصيغتها القانونية السابقة، تبرز ضرورة المحافظة على الرصيد الوثائقي الذي خلفته، باعتباره جزءاً من التراث القانوني والتاريخي للمغرب. فالسجلات والرسوم والنسخ التي أنتجتها هذه المهنة على امتداد عقود ليست مجرد أوراق إدارية، وإنما هي وثائق شاهدة على تاريخ المجتمع وتحولاته، وتستحق العناية والحفظ والفهرسة والتثمين، حتى تظل متاحة للباحثين والمهتمين بتاريخ القضاء والتوثيق والحياة الاجتماعية.

إن الحديث عن نهاية مهمة النساخة لا يعني الحديث عن نهاية تاريخها أو عن انقطاع أثرها، وإنما يعني بلوغ مرحلة جديدة من مسار طويل بدأ مع تطور التوثيق العدلي بالمغرب، واستمر من خلال جهود أجيال من النساخ الذين أسهموا في حفظ الحقوق وصيانة الوثائق. وإذا كانت التشريعات تتغير بتغير حاجات المجتمع وتطور مؤسساته، فإن القيمة التاريخية والمهنية لما أنجزته هذه الفئة تظل ثابتة، باعتبارها جزءاً من الذاكرة المؤسسية للقضاء المغربي.

وهكذا، فإن دخول القانون الجديد حيز التنفيذ لا يمثل مجرد محطة تشريعية عادية، بل يشكل منعطفاً تاريخياً في مسار التوثيق العدلي بالمغرب؛ فمن مهنة ارتبطت بالسجلات والوثائق وأروقة المحاكم، إلى مرحلة جديدة تقوم على إدماج الخبرات وتطوير الممارسة المهنية. وبين نهاية الإطار القانوني القديم وبداية التنظيم الجديد، تبقى النساخة شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ العدالة المغربية، وعلى الدور الذي أدته في حفظ الذاكرة العدلية وصيانة الحقوق عبر الأجيال.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: