الانتخابات الجماعية لسنة 2027 بالمغرب: رهان تجديد النخب وتفعيل اللامركزية - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الثلاثاء, أكتوبر 27, 2026
مدونات الأحداث

الانتخابات الجماعية لسنة 2027 بالمغرب: رهان تجديد النخب وتفعيل اللامركزية

الأحداث✍️عبد الصادق عبادة

يشكل اجتماع وزير الداخلية مع قادة الأحزاب السياسية، في سياق التحضير للانتخابات الجماعية لسنة 2027، محطة تتجاوز الجوانب التنظيمية للاستحقاق، لتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الديمقراطية المحلية، وطبيعة النخب التي ستتولى تدبير الشأن الترابي، وقدرتها على تحويل المؤسسات المنتخبة إلى أدوات فعالة للتنمية والاستجابة لانتظارات المواطنين.

وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة في ضوء التوجيهات الملكية المتعلقة بالجهوية المتقدمة واللامركزية واللاتمركز الإداري. فهي لا ينبغي أن تُختزل في تجديد المجالس، بل يجب أن تشكل فرصة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي المحلي، وربطه بالنتائج الملموسة، وتحسين جودة الخدمات، وتقليص الفوارق المجالية.

وقد أظهرت التجارب السابقة أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج، حين تواجه المجالس المنتخبة ضعف الموارد المالية والبشرية، وتعقيد المساطر، وتداخل الاختصاصات، وصعوبة تنفيذ البرامج. لذلك، يقتضي الاستحقاق المقبل الانتقال من التنافس على عدد المقاعد إلى التنافس على جودة التدبير والقدرة على الإنجاز. فالمواطن ينتظر حلولاً عملية لمشكلات النقل والنظافة والتعمير والإنارة والمرافق العمومية وفرص الشغل، لا وعوداً انتخابية عامة.

ويضع ذلك الأحزاب أمام مسؤولية اختيار مرشحين يتوفرون على الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، مع تجديد النخب وإتاحة المجال أمام الشباب والنساء والطاقات المحلية. كما يتطلب تقديم برامج واقعية قابلة للتنفيذ، وتقييم الحصيلة السابقة على أساس الإنجاز، بعيداً عن منطق الأعيان والمصالح الضيقة والقدرة على حشد الأصوات فقط.

أما تفعيل اللامركزية، فلا يقتصر على انتخاب مجالس جماعية، بل يستلزم تمكينها من اختصاصات واضحة وموارد كافية واستقلال إداري ومالي فعلي. وبالموازاة مع ذلك، يقتضي اللاتمركز الإداري نقل جزء من القرار إلى المصالح الترابية للدولة، لتسريع المساطر وتحسين التنسيق وتقريب الإدارة من المواطنين. غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل رهيناً بتجاوز تداخل المسؤوليات، وضعف الموارد، وتعقيد الإجراءات، ومحدودية التنسيق بين المنتخبين والمصالح اللاممركزة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى علاقة مؤسساتية أكثر تكاملاً بين المجالس المنتخبة والسلطات الإدارية والمصالح العمومية، تقوم على وضوح الاختصاصات، وربط المسؤولية بالنتائج، وتعزيز آليات التتبع والمحاسبة. كما أن مسؤولية وزارة الداخلية لا تقتصر على تنظيم العملية الانتخابية، بل تشمل ضمان النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص واحترام إرادة الناخبين، في حين يتعين على الأحزاب والمرشحين الالتزام بالتنافس المسؤول والابتعاد عن الوعود الظرفية والممارسات التي تضعف الثقة.

ويظل التحدي الأكبر هو إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فالديمقراطية المحلية لا تقاس فقط بسلامة الاقتراع، بل بجودة التدبير بعد الانتخابات، وبقدرة المجالس على تنفيذ برامجها، والتواصل المستمر مع السكان، وتدبير الموارد بشفافية، وتقديم حصيلة واضحة عن القرارات والنتائج.

وعليه، فإن اجتماع وزير الداخلية مع زعماء الأحزاب ينبغي أن يكون مناسبة لنقاش سياسي جدي حول مستقبل الديمقراطية الترابية، لا مجرد محطة إجرائية تسبق موعد الاقتراع. فالرهان الحقيقي لا يتعلق بالحزب الذي سيحصد أكبر عدد من المقاعد، بل بطبيعة النخب التي ستفرزها الانتخابات وقدرتها على تحويل التفويض الانتخابي إلى إنجازات ملموسة.

إن نجاح انتخابات 2027 سيُقاس بمدى إسهامها في إنتاج جماعات ترابية قوية بكفاءاتها، واضحة في اختصاصاتها، متوفرة على الموارد اللازمة، وخاضعة للمحاسبة. وحدها هذه الشروط كفيلة بتحويل اللامركزية واللاتمركز الإداري إلى ممارسة مؤسساتية فعلية، وجعل الانتخابات الجماعية مدخلاً للتنمية والعدالة المجالية والحكامة الجيدة.

 

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: