
الأحداث✍️بقلم ياسين المصلوحي
تضع التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 المغرب أمام اختبار القدرة على التوفيق بين تعزيز الدولة الاجتماعية، وتحفيز النمو الاقتصادي، والحفاظ على التوازنات المالية، في سياق سياسي يتسم بارتفاع انتظارات المواطنين وتصاعد حدة التنافس بين الأغلبية والمعارضة.
وقد شكل المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، يوم 17 أكتوبر 2026، محطة أساسية في رسم معالم التوجهات المالية للسنة المقبلة، عبر تحديد خمس أولويات استراتيجية تشمل دعم القدرة الشرائية، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين والتشغيل، وتسريع التنمية الترابية المندمجة، وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، وتقوية الاقتصاد الوطني. كما تضمنت التوجهات تخصيص نحو 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية، وإطلاق إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ابتداء من سنة 2027.
وتكتسب هذه الاختيارات أهميتها من ارتباطها بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة، خصوصاً ارتفاع كلفة المعيشة، وبطالة الشباب، والتفاوتات المجالية. وفي هذا الإطار، تراهن الحكومة على مواصلة توسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، إلى جانب دعم الاستثمار الخاص والمقاولات الصغيرة والمتوسطة. وتستهدف التوجهات الحكومية تحقيق نمو اقتصادي سنوي متوسط يبلغ 5% خلال الفترة 2027-2031، مع حصر عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الخام.
غير أن الانتقال من تحديد الأولويات إلى ضمان تنفيذها يظل رهيناً بوضوح الالتزامات، وتوفير التمويلات اللازمة، ووضع مؤشرات دقيقة لقياس النتائج. وهي القضايا التي حضرت بقوة في النقاش البرلماني الذي أعقب تقديم رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان.
ففي الوقت الذي دافعت فيه مكونات الأغلبية عن البرنامج باعتباره استجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، اعتبرت المعارضة أن عدداً من الالتزامات يحتاج إلى مزيد من التدقيق، خصوصاً فيما يتعلق بالأرقام والآجال الزمنية ومصادر التمويل. وهكذا، انتقل النقاش تدريجياً من فحص المضامين التقنية للبرنامج ومدى قابليتها للتنفيذ إلى سجال سياسي وحزبي اتسم بحدة الانتقادات وتبادل الاتهامات، لا سيما خلال مناقشاته في مجلسي النواب والمستشارين.
وقد برز هذا التوتر بشكل أوضح خلال جلسة مجلس النواب ، حين دافعت المنصوري عن اختيارات حكومتها وردت على انتقادات المعارضة، في نقاش شمل أيضاً دستورية المسطرة المتعلقة بمشروع قانون المالية والرهانات المرتبطة بالنزاهة السياسية والتشغيل. وانتهت الجلسة بالمصادقة على البرنامج الحكومي بأغلبية 204 أصوات مقابل 127 صوتاً معارضاً.
إن هذا السجال، رغم ما يكشف عنه من حيوية التعددية السياسية، يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على الموازنة بين التنافس الحزبي والرقابة الموضوعية على السياسات العمومية. فالمواطن لا ينتظر مجرد وعود متبادلة أو انتصارات خطابية، بل نتائج ملموسة تنعكس على قدرته الشرائية وفرص الشغل وجودة الخدمات الأساسية.
وبين طموحات مشروع مالية 2027 وحسابات الفاعلين السياسيين، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل الالتزامات المعلنة إلى سياسات قابلة للقياس والمساءلة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويجعل التنمية الاجتماعية والاقتصادية معياراً أساسياً لتقييم الأداء الحكومي.