مالية 2027.. هل تنصف الميزانية جيوب المغاربة أم تكتفي بتجميل الأرقام؟ - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
السبت, أكتوبر 24, 2026
مدونات الأحداث

مالية 2027.. هل تنصف الميزانية جيوب المغاربة أم تكتفي بتجميل الأرقام؟

الأحداث✍️بقلم: عبادة عبدالصادق

ليست الميزانية مجرد جداول حسابية تتبادلها الحكومة والبرلمان، وليست أرقاماً جامدة لا تعني المواطن إلا حين يسمع عن عجز الدولة أو ارتفاع المداخيل الضريبية. الميزانية، في جوهرها، هي صورة مكثفة لاختيارات الدولة الاجتماعية والاقتصادية، وهي المرآة التي تكشف من يتحمل كلفة السياسات العمومية، ومن يستفيد من ثمارها. ومن هنا تكتسب مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية تتجاوز النقاش التقني حول الضرائب والنفقات، لتضع الحكومة أمام سؤال العدالة الاجتماعية ومدى قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في حياة المغاربة.

حين قدم فوزي لقجع مشروع قانون المالية أمام البرلمان يوم 23 أكتوبر 2026، كان الرهان المعلن هو تحسين القدرة الشرائية للأسر، من خلال مراجعة الضريبة على الدخل وإجراءات أخرى تستهدف الأجراء والمتقاعدين. والأرقام المعلنة تبدو، للوهلة الأولى، مغرية؛ إذ يقترح المشروع رفع الشطر السنوي المعفى من الضريبة على الدخل من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، مع إعادة تنظيم الشرائح الضريبية على مراحل تمتد إلى سنة 2031. كما أعلن الوزير عن توجه لإعفاء نسبة 87 في المائة من الأجراء من الضريبة على الدخل ابتداء من سنة 2027. وهي إجراءات قد تمنح فئات واسعة متنفساً مالياً، لكنها لا تعفي الحكومة من تقديم جواب واضح عن السؤال الذي يشغل الأسر المغربية: هل سيصبح ما يتبقى في الجيب كافياً لتغطية الحاجات الأساسية؟

فالمغربي لا يعيش داخل جدول الضريبة على الدخل، وإنما يعيش داخل سوق تتغير أسعارها، وكراء يرتفع، وفواتير تتراكم، ومصاريف تعليم وعلاج ونقل لا تنتظر نهاية الشهر. لذلك فإن تخفيض الضريبة خطوة إيجابية، لكنه ليس سياسة متكاملة لتحسين القدرة الشرائية. فقد يستفيد الأجير من زيادة في دخله الصافي، ثم يفقد جزءاً مهماً من هذه الزيادة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة. والمطلوب، بالتالي، ألا تكتفي الحكومة بحساب المكسب الضريبي، بل أن تنظر إلى الدخل الحقيقي الذي يبقى للأسرة بعد أداء نفقاتها الضرورية.

والأمر نفسه ينطبق على المتقاعدين. فقد أعلن لقجع عن رفع الحد الأدنى للمعاش من نحو ألف درهم إلى 1700 درهم شهرياً ابتداءً من فاتح يناير 2027، في أفق بلوغه 3000 درهم في نهاية الولاية الحكومية، إلى جانب الرفع من نسبة المعاش المخول للأرامل من 50 إلى 100 في المائة وفق التدابير المعلنة. وتشير التصريحات المنشورة إلى أن إجراءات التقاعد وحدها ستكلف نحو 10 مليارات درهم. وهذه خطوة اجتماعية مهمة إذا نُفذت وفق الشروط المعلن عنها، لكنها تطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن بناء حماية اجتماعية مستدامة تضمن كرامة المتقاعدين، ولا تجعل حقوقهم رهينة التوازنات الظرفية أو قدرة صناديق التقاعد على تحمل الالتزامات؟

إن الحكومة التي تطلب من المواطنين الثقة في اختياراتها المالية مطالبة بأن تجعل قواعد الاستفادة واضحة، وأن تنشر تفاصيل التنفيذ، وأن تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه. فالفرق كبير بين إعلان زيادة في المعاش وبين وصولها فعلياً إلى حساب المتقاعد، وبين تقديم وعد اجتماعي وبين تحويله إلى حق مضمون يمكن مراقبته ومساءلة المسؤولين عن تنفيذه.

لكن مشروع مالية 2027 لا يتوقف عند تخفيف الضرائب وتحسين بعض المعاشات، بل يقترح أيضاً تعديلات جبائية تمس الشركات والواردات وقطاعات اقتصادية مختلفة. ومن بين التدابير التي أثارت الانتباه اقتراح فرض معدل ضريبي يبلغ 40 في المائة على بعض الشركات الكبرى العاملة في استيراد وتوزيع المحروقات، متى استوفت الشروط المحددة في المشروع، إلى جانب تسبيق ضريبي بنسبة 5 في المائة على بعض الواردات الموجهة لإعادة البيع على حالها.

ومن حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على مطالبة الفاعلين الاقتصاديين بالمساهمة العادلة في تمويل النفقات العمومية. بل إن العدالة الجبائية تقتضي أن تكون المساهمة متناسبة مع القدرة على الأداء، وأن تتم محاربة التهرب الضريبي، وألا يتحول النظام الضريبي إلى عبء غير متكافئ بين الشركات الكبرى والمقاولات الصغيرة والتجار محدودي الإمكانات. غير أن نجاح هذه الإجراءات لن يقاس فقط بالمداخيل التي ستدخل خزينة الدولة، بل كذلك بأثرها على الاستثمار والأسعار والسيولة المالية للمقاولات.

فإذا ارتفعت الكلفة الضريبية على بعض الأنشطة، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الشركات ستتحملها من أرباحها، أم ستحاول نقل جزء منها إلى المستهلك. ولا يمكن افتراض أن فرض ضريبة أعلى على شركات المحروقات سيؤدي تلقائياً إلى انخفاض أسعار الوقود، كما لا يمكن تجاهل احتمال أن يؤدي التسبيق الضريبي على الواردات إلى زيادة حاجات بعض التجار إلى التمويل. وهنا تظهر ضرورة أن ترافق الإصلاحات الجبائية دراسة دقيقة لآثارها الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا تنتهي سياسة تعبئة الموارد إلى تحميل الفئات الأضعف كلفة إضافية غير مباشرة.

وتتضاعف أهمية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بالاستثمارات الكبرى والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030. فمن حق المغرب أن يطور بنياته التحتية، وأن يستثمر في السياحة والنقل والتجهيزات الرياضية، وأن يحول هذا الحدث العالمي إلى فرصة للتنمية. لكن من حق المواطنين أيضاً أن يعرفوا حجم الإنفاق العمومي المرتبط بهذه المشاريع، وما إذا كانت ستخلق فرص عمل مستدامة، وكيف ستوزع منافعها بين الجهات والفئات الاجتماعية. فالمشاريع الكبرى لا تصبح نجاحاً وطنياً بمجرد إنجازها في موعدها، وإنما حين تترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز لحظة الحدث.

إن الاختبار الحقيقي لمشروع قانون المالية لا يكمن في عدد التدابير التي يتضمنها، ولا في قوة الأرقام التي يقدمها المسؤولون للدفاع عنه. الاختبار يكمن في قدرة هذه التدابير على تقليص الفوارق الاجتماعية، وتحسين المدرسة والمستشفى العموميين، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة. وقد تكون الدولة قادرة على تعبئة موارد مالية مهمة، لكن قيمة هذه الموارد تظل محدودة إذا لم يشعر المواطن بأن الخدمات التي يحصل عليها تتحسن، وأن المال العام يُصرف وفق أولويات واضحة، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة.

ومن هنا، فإن النقاش العمومي حول مالية 2027 ينبغي ألا يتحول إلى منافسة في عرض الأرقام أو تعداد الوعود، بل إلى مساءلة حقيقية حول نتائج السياسات الحكومية. كم ستكلف الإجراءات الاجتماعية؟ من سيستفيد منها بالتحديد؟ ما أثرها على عجز الميزانية والمديونية؟ وكيف ستضمن الحكومة ألا تبتلع الزيادات الضريبية أو الاجتماعية تقلبات الأسعار وتكاليف المعيشة؟

هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها ليست تشكيكاً في الإصلاح، بل شرط لنجاحه. فالمواطن لا يطلب من الحكومة أن تقدم له ميزانية خالية من الصعوبات، وإنما يطلب منها أن تكون صريحة بشأن الخيارات والتكاليف والنتائج، وأن توزع الأعباء بصورة عادلة، وأن تثبت أن تحسين معيش الناس أولوية فعلية لا مجرد عنوان سياسي.

في نهاية المطاف، قد تحقق مالية 2027 تقدماً في بعض الجوانب الضريبية والاجتماعية، وقد تفتح المجال أمام تحسين دخل فئات واسعة. لكن الحكم النهائي سيبقى مرتبطاً بما سيحدث بعد المصادقة على النص ودخوله حيز التنفيذ. فالموظف سيحكم من خلال راتبه وقدرته على تلبية حاجاته، والمتقاعد سيحكم من خلال معاشه وما يضمنه له من كرامة، والشاب سيحكم من خلال فرص العمل المتاحة أمامه، والأسرة ستقيس نجاح الحكومة بما تستطيع شراءه وما تستطيع توفيره لمستقبل أبنائها.

تلك هي المسافة الفاصلة بين ميزانية ناجحة على الورق وميزانية ناجحة في حياة المواطنين. وهي المسافة التي يتعين على الحكومة أن تثبت قدرتها على تقليصها، لأن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تجمعه خزائنها، بل أيضاً بمدى شعور مواطنيها بالإنصاف والأمان والثقة في المستقبل.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: