شباب المحمدية ومهن المستقبل: كيف نحوّل المؤهلات إلى فرص حقيقية؟ - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
السبت, أكتوبر 24, 2026
مدونات الأحداث

شباب المحمدية ومهن المستقبل: كيف نحوّل المؤهلات إلى فرص حقيقية؟

الاحداث Alahdat.net

بقلم ياسر مزواري / فاعل مدني، باحث في الشؤون السياسية و الاجتماعية

تتــوفر المحـمدية على مــؤهلات اقتــصادية وصناعية وجامعية مهمة، ويمنحها موقعها بين الدار البيضاء والرباط فرصاً إضافية للاستثمار والتشغيل. ومع ذلك، ما زال الولوج إلى سوق الشغل يشكل صعوبة بالنسبة لعدد من شباب المدينة، بمـن فيهم الحاصلون على شهادات جامعية ومهنية. وهو واقع يدفعنا إلى التساؤل عن مدى استفادة أبناء المحمدية من الإمكانات التي تتوفر عليها مدينتهم، وعن قدرة منظومة التكوين الحالية على مواكبة التحولات التي يعرفها سوق الشغل.

تقدم نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 معطيات تستحق الوقوف عندها. فقد بلغ معدل البطالة بجماعة المحمدية 20,7% من الساكنة النشيطة البالغة 15 سنة فما فوق، فيما استقر معدل النشاط في حدود 43,7%، ولم يتجاوز لدى النساء 26,5%.

وبالموازاة مع ذلك، كشفت نتائج التوطين الخرائطي للمنشآت الاقتصادية لسنتي 2023 و2024 عن وجود 9.068 منشأة اقتصادية هادفة للربح داخل جماعة المحمدية، مقابل 16.248 منشأة على مستوى العمالة، تشغل هذه الأخيرة 77.571 شخصاً، منهم 31.328 في الصناعة و24.144 في الخدمات.

صحيح أن هذه المعطيات لا تكفي وحدها لتحديد أسباب البطالة، لكنها تطرح أسئلة ينبغي أن تكون حاضرة في أي نقاش حول مستقبل التشغيل بالمدينة. ما طبيعة فرص العمل التي يوفرها النسيج الاقتصادي المحلي؟ وهل تستجيب التكوينات الحالية لحاجيات المقاولات؟ وما مدى قدرة شباب المحمدية على الاستفادة من هذه الفرص؟

لقد ارتبط تاريخ المحمدية بالصناعة والطاقة، وشكلت مصفاة «سامير» لسنوات جزءاً من هويتها الاقتصادية، قبل توقف نشاط التكرير سنة 2015. لكن المدينة لم تعد معنية فقط بالمهن الصناعية التقليدية، بل أصبحت مطالبة بمواكبة تحولات تشمل الرقمنة والأنظمة الآلية والطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي. وهذا التحول يستدعي إعادة النظر في طبيعة المهارات التي نؤهل لها شبابنا.

وتتوفر المحمدية على مؤسسات جامعية وتكوينية، من بينها كلية العلوم والتقنيات والمدرسة العليا لأساتذة التعليم التقني، إلى جانب مؤسسات التكوين المهني. وهو رصيد لا يمكن التقليل من أهميته، غير أن وجود المؤسسات وحده لا يقدم جواباً كافياً عن سؤال التشغيل.

ما أراه ضرورياً هو أن نتوفر على معطيات واضحة حول مسارات خريجي هذه المؤسسات. كم عدد الذين يتمكنون من الحصول على عمل بعد التخرج؟ وفي أي قطاعات؟ وهل يجدون فرصاً تتناسب مع تخصصاتهم، أم يضطرون إلى البحث عن بدائل بعيدة عما تلقوه من تكوين؟

فالتقييم لا ينبغي أن يتوقف عند عدد المسجلين أو الشهادات الممنوحة، بل يجب أن يشمل قدرة التكوين على تسهيل الانتقال إلى الحياة المهنية.

ولا يمكن تناول هذا الموضوع دون التوقف عند الفوارق الاجتماعية والمجالية داخل المدينة. فالشاب الذي يستطيع تعلم اللغات، واقتناء حاسوب، والاستفادة من تكوينات إضافية، ليس في الوضعية نفسها التي يوجد عليها شاب تعجز أسرته عن تحمل هذه المصاريف. وقد تتحول هذه الفوارق إلى عائق حقيقي أمام تكافؤ الفرص، خصوصاً مع تزايد أهمية المهارات الرقمية واللغوية في الولوج إلى سوق الشغل.

ومن غير المقبول أن تكون فرص المستقبل مرتبطة بالحي الذي ينتمي إليه الشاب أو بالإمكانات المادية لأسرته. فالمدينة العليا والسفلى والأحياء الطرفية يجب أن تستفيد جميعها من برامج التأهيل والتكوين، مع إعطاء اهتمام خاص للفئات التي تواجه صعوبات أكبر في الاندماج الاقتصادي.

أما بخصوص المهن التي ينبغي أن نستعد لها، فأعتقد أن المحمدية مطالبة بالانطلاق من هويتها الاقتصادية دون أن تبقى حبيسة ماضيها الصناعي.

هناك أولاً المهن الرقمية، بما فيها البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ولا يعني ذلك توجيه جميع الشباب نحو تخصصات المعلوميات، وإنما إدماج المهارات الرقمية في مختلف المسارات المهنية. فالتقني والمحاسب والتاجر والعامل في الخدمات أصبحوا جميعاً معنيين بالتحولات التكنولوجية.

وتبرز كذلك أهمية الصناعة الذكية والصيانة الصناعية المتقدمة، بالنظر إلى طبيعة النسيج الاقتصادي للمحمدية ومحيطها. فالمقاولات التي تعتمد على التجهيزات الحديثة والأنظمة الآلية تحتاج إلى كفاءات تقنية قادرة على تشغيلها وصيانتها وتطوير أدائها.

وفي مجال الطاقة، يمكن للمدينة أن تستثمر رصيدها التاريخي في تطوير التكوين المرتبط بالطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية والمهن البيئية. ومن المهم في هذا الإطار تتبع مشروع المعهد المتخصص في مهن الكهرباء والإلكترونيك والطاقات المتجددة، والحرص على ملاءمة تخصصاته مع الحاجيات الفعلية للمقاولات. كما تشكل اللوجستيك وسلاسل التوريد مجالاً يستحق الاهتمام، بالنظر إلى موقع المحمدية ومينائها وقربها من المحاور الصناعية والتجارية الكبرى.

وأضيف إلى هذه المجالات المهن الثقافية والفنية والرياضية، التي لا تحظى دائماً بالمكانة التي تستحقها في النقاش الاقتصادي المحلي. فالإنتاج السمعي البصري والسينما والتصميم الرقمي وتنظيم التظاهرات والتدبير الرياضي، كلها أنشطة يمكن أن تفتح فرصاً مهنية جديدة. وقد عرفت المحمدية إشعاعاً ثقافياً ورياضياً مهماً، وأرى أن استعادة هذا الحضور ينبغي أن تقترن أيضاً بتكوين الشباب وخلق فرص للعمل في هذه القطاعات.

لكن تحديد المهن الواعدة يبقى غير كافٍ ما لم تتوفر المدينة على آلية تجمع المؤسسات المعنية بالتكوين والتشغيل حول أهداف مشتركة.

وفي تقديري، لم تعد المحمدية تحتاج إلى إعادة تشخيص البطالة في كل مناسبة، بقدر ما تحتاج إلى تنظيم العمل بين الجامعة ومؤسسات التكوين والمقاولات والسلطات المحلية والجماعة.

لماذا لا نعمل على إحداث مرصد محلي للمهن والكفاءات والتشغيل، تكون مهمته تتبع حاجيات المقاولات، ورصد التخصصات المطلوبة، وتوفير معطيات دقيقة حول إدماج الشباب في سوق الشغل؟ ويمكن لهذا المرصد أن يقوم على شراكة بين المؤسسات القائمة، دون الحاجة بالضرورة إلى إحداث إدارة جديدة أو تحمل نفقات إضافية كبيرة.

وأقترح كذلك إحداث مركز للمحمدية لمهارات المستقبل والابتكار، يوفر تكوينات قصيرة وتطبيقية في المجالات الرقمية والتقنية واللغات، مع مواكبة الشباب الراغبين في إنشاء مشاريعهم. وليس ضرورياً أن يبدأ هذا المشروع ببناء مقر جديد؛ إذ يمكن الاستفادة من الفضاءات والتجهيزات المتاحة، وتوجيه الموارد أساساً إلى جودة التكوين والتأطير.

وفي المقابل، ينبغي تطوير شراكات فعلية مع المقاولات، تقوم على استقبال المتدربين والمساهمة في تحديد البرامج وتقييم الكفاءات، مع ربط هذه الشراكات بأهداف واضحة للإدماج المهني.

وهنا تبرز مسؤولية مختلف المتدخلين، كل في حدود اختصاصاته. فالجماعة الترابية، وإن لم يكن التكوين والتشغيل من اختصاصاتها الحصرية، فإنها معنية بتنشيط التنمية الاقتصادية المحلية، وتعبئة الشركاء، وتوفير شروط احتضان المبادرات، والترافع لجلب الاستثمارات.

ومن حقنا أن نتساءل عن المكانة التي احتلها تأهيل الشباب ضمن أولويات التدبير المحلي خلال السنوات الماضية، وعن النتائج التي تحققت في هذا المجال.

فالاتفاقيات الموقعة والدورات التكوينية المنظمة لا ينبغي أن تشكل مؤشرات النجاح الوحيدة. ما يهم هو عدد الشباب الذين تمكنوا من الحصول على عمل، أو إنشاء مقاولة، أو اكتساب مهارات حسنت وضعيتهم المهنية. وهذه نتائج يمكن تتبعها ونشرها وتقييمها بشكل دوري.

وأرى أن المحمدية تحتاج إلى برنامج محلي لتأهيل الشباب لمهن المستقبل، يمتد من سنة 2027 إلى سنة 2033، يقوم على أهداف سنوية محددة، والتزامات واضحة لكل شريك، وتمويل معلوم، وتقييم منتظم للنتائج. على أن يشمل حاملي الشهادات الباحثين عن عمل، والشباب المنقطعين عن الدراسة، والنساء اللواتي يواجهن صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل.

ولا ينبغي أن يقتصر هذا البرنامج على الاستجابة لحاجيات المقاولات الحالية، بل يجب أن يساعد المدينة على الاستعداد للاستثمارات والمهن التي يمكن أن تستقطبها مستقبلاً.

وفي هذا السياق، أعتبر أن مشروع إحداث جامعة دولية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة بالمحمدية يستحق أن يكون ضمن طموحات المدينة على المدى البعيد. فمثل هذه المؤسسة، إذا توفرت لها الشراكات العلمية والاقتصادية اللازمة، يمكن أن تمنح المحمدية موقعاً جديداً في البحث والابتكار واقتصاد المعرفة. غير أن هذا الطموح لا ينبغي أن يؤجل الحلول العملية التي ينتظرها الشباب اليوم.

لقد ساهمت المحمدية لعقود في التنمية الصناعية الوطنية، وتتوفر اليوم على مؤهلات تؤهلها للعب دور مهم في المهن الجديدة. وما نحتاجه هو أن ينعكس هذا الرصيد على فرص أبنائها، بدل أن يظل مجرد مؤشرات اقتصادية نفتخر بها دون أن نعرف نصيب شباب المدينة منها.

بالنسبة إلي، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يوجه أي سياسة محلية في هذا المجال واضحاً: كم شاباً تمكنا من تأهيله؟ وكم منهم وجد فرصة عمل أو أنشأ مشروعاً؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟

فتلك هي المعطيات التي ينبغي أن نحاسب بها السياسات والبرامج، وأن نقيس من خلالها ما إذا كانت المحمدية

قد بدأت فعلاً في تحويل مؤهلاتها إلى فرص يستفيد منها أبناؤها.

error: