المنصوري وإرث أخنوش: هل تجرؤ الحكومة الجديدة على الاقتراب من مناطق النفوذ؟ - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الأربعاء, أكتوبر 21, 2026
سياسة

المنصوري وإرث أخنوش: هل تجرؤ الحكومة الجديدة على الاقتراب من مناطق النفوذ؟

الأحداث✍️عبد الصادق عبادة

ليست المشكلة أن عزيز أخنوش رجل أعمال أصبح رئيساً للحكومة، فالثروة ليست جريمة، والاستثمار ليس تهمة. المشكلة تبدأ عندما تجتمع السلطة السياسية بالمصلحة الاقتصادية، وتصبح الصفقات العمومية والدعم الحكومي موضوعاً لأسئلة محرجة لا تجد أجوبة مقنعة. عندها يشعر المواطن بأن هناك مغربين: مغرباً يُطلب منه الصبر وأداء الضرائب وانتظار دوره، ومغرباً آخر يملك من النفوذ ما يجعله قريباً من مراكز القرار.

هنا يبدأ امتحان فاطمة الزهراء المنصوري. ليس في قدرتها على تدبير الحكومة فحسب، بل في استعدادها لفتح الملفات التي أثير حولها الجدل خلال ولاية أخنوش. فالحكومات لا تُقاس بوعودها للمستقبل وحدها، بل أيضاً بما تجرؤ على مراجعته في الماضي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام والعلاقة بين السلطة والثروة.

السؤال واضح: من استفاد من الصفقات الكبرى؟ وكيف أُسندت؟ وهل كانت المنافسة متكافئة، أم أن بعض الشركات استفادت من قربها من مراكز القرار؟ هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز إسكاتها بالتذرع بأهمية الاستثمار. فحماية المستثمر لا تعني إعفاءه من الرقابة، وتشجيع الاقتصاد لا يبرر تحويل القرب من السلطة إلى امتياز تجاري.

خذوا مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، الذي تبلغ قيمة استثماره المعلنة نحو 6.5 مليارات درهم، وأثار جدلاً بسبب مشاركة شركات مرتبطة بالمجموعة الاقتصادية لأخنوش في التحالف الفائز. لا يعني ذلك أن الصفقة غير قانونية، لكن من حق المغاربة معرفة كيف جرت المنافسة، وعلى أي أساس اختير العرض الفائز، وما الضمانات التي تحمي القرار العمومي من تضارب المصالح.

والأمر لا يتوقف عند التحلية. فعقود توريد المحروقات ومشاريع الطاقة والماء وبرامج الدعم العمومي تستحق التدقيق كلما ظهرت مؤشرات جدية تستدعيه. فالمليارات ليست مجرد أرقام في بلاغات رسمية؛ إنها أموال عامة، ومن حق المواطنين معرفة أين ذهبت، ومن استفاد منها، وما المقابل الذي حصلت عليه الدولة.

لكن هل تملك المنصوري الشجاعة السياسية لفتح هذه الملفات؟ هنا تكمن المفارقة. فحزب الأصالة والمعاصرة كان شريكاً في الأغلبية السابقة، ما يجعل مراجعة إرث أخنوش اختباراً لقدرة الحكومة الجديدة على الفصل بين مقتضيات المسؤولية وحسابات التحالفات.

هل ستخضع الصفقات لمعيار واحد، أم ستتوقف المحاسبة عندما تقترب من الحلفاء وأصحاب النفوذ؟ وهل سيكون التغيير تغييراً في قواعد اللعبة، أم مجرد تبديل للوجوه مع بقاء المصالح الكبرى بمنأى عن المساءلة؟

لا يحتاج المغاربة إلى حكومة تعيد صياغة الخطاب القديم، بل إلى حكومة تثبت أن الشفافية ليست زينة لغوية. والطريق إلى ذلك لا يمر عبر إلغاء العقود بالجملة أو تصفية الحسابات السياسية، وإنما عبر افتحاص مستقل للصفقات الكبرى، ونشر نتائج التدقيق، ومراجعة شروط المنافسة، وإحالة الشبهات الجدية على الجهات المختصة.

يجب قول الأمر بوضوح: لا يجوز إدانة أخنوش أو أي شركة مرتبطة به لمجرد وجود علاقة اقتصادية أو سياسية. لكن لا يجوز أيضاً استخدام قرينة البراءة ذريعة لإغلاق باب الرقابة. فالبراءة حق، ومراقبة المال العام واجب. ومن يخلط بينهما يريد، عن قصد أو غير قصد، أن يجعل القانون يتشدد مع الضعيف ويتفاوض مع القوي.

إن امتحان المنصوري ليس أن تهاجم أخنوش أو تدافع عنه، بل أن تثبت أن حكومتها لا تخضع لمنطق الحماية المتبادلة بين السياسة والاقتصاد. إذا كانت الصفقات سليمة، فلتثبت الوثائق ذلك. وإذا كشفت المراجعة عن مخالفات، فلتُرتب المسؤوليات مهما كانت أسماء المستفيدين ومواقعهم.

إذا اكتفت المنصوري بتغيير الوجوه دون مراجعة القرارات والملفات التي أثارت الجدل، فلن يكون التغيير سوى إعادة ترتيب للمشهد السياسي. فالتجارب الديمقراطية، ومنها تجربة جو بايدن الذي ألغى عدداً من قرارات سلفه دونالد ترامب، تُظهر أن انتقال السلطة قد يفتح الباب لمراجعة اختيارات المرحلة السابقة. والمطلوب في المغرب ليس نسخ التجارب الأجنبية، بل ترسيخ المبدأ نفسه: لا قرار عمومياً فوق المراجعة، ولا صفقة فوق الرقابة، ولا مسؤولية سياسية بمنأى عن المحاسبة.

فنجاح الحكومة الجديدة لن يُقاس بما تعد به، بل بما تجرؤ على مراجعته، وبقدرتها على إثبات أن حماية المال العام أقوى من حماية المصالح والنفوذ.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: