
الأحداث✍️عبد الصادق عبادة
تواجه الحكومة المغربية الجديدة مرحلة تتسم بتعدد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتعزيز فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية. وفي هذا السياق، يشكل البرنامج الحكومي مناسبة للوقوف عند التوجهات المقترحة لمعالجة هذه القضايا، ومدى قدرة التدابير المعلنة على الاستجابة لانتظارات المواطنين. وبين طموح الإصلاح ومتطلبات التنفيذ، تبرز أهمية وضوح الأولويات، وحسن تدبير الموارد، واعتماد آليات فعالة لتتبع النتائج وتقييمها.
ويكتسي التصريح الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري أهمية خاصة بالنظر إلى ما يتضمنه من توجهات تهم الدعم الاجتماعي المباشر، وتحسين أوضاع المتقاعدين، ومراجعة الضريبة على الدخل، وتشجيع الاستثمار، وإحداث فرص الشغل، والسعي إلى تحقيق معدل نمو اقتصادي في حدود 5%. وهي أهداف تستجيب لجانب مهم من الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، غير أن تحقيقها يظل مرتبطاً بوضوح آليات التنفيذ، وتوفر الموارد اللازمة، والقدرة على التوفيق بين الأولويات الاجتماعية ومتطلبات التوازن المالي.
وفي مقدمة هذه الأولويات، تبرز القدرة الشرائية للأسر باعتبارها من أكثر القضايا ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين. فارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والصحة والتعليم يجعل تحسين مستوى العيش تحدياً يتطلب إجراءات متكاملة، تجمع بين حماية الفئات الأكثر هشاشة والعمل على تعزيز الشروط الاقتصادية التي تساعد على استقرار الأسعار.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل تطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر خطوة مهمة في توسيع الحماية الاجتماعية، شريطة أن يواكبه تقييم منتظم لأثره على المستفيدين. كما تبرز أهمية تعزيز المنافسة داخل الأسواق، ومراقبة الممارسات المخالفة للقانون، وتحسين شفافية سلاسل الإنتاج والتوزيع، بما يحد من الاختلالات التي قد تؤثر في أسعار المواد الأساسية. فالدعم الاجتماعي يساهم في تخفيف الأعباء عن الأسر، بينما تساعد السياسات الرامية إلى تحسين الإنتاجية وتطوير الأسواق على تعزيز استدامة هذه الحماية.
ولا تنفصل هذه المسألة عن تحدي التشغيل، الذي يظل من أبرز الملفات المطروحة، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والنساء وحاملي الشهادات. فالمطلوب لا يقتصر على زيادة عدد مناصب الشغل، بل يشمل أيضاً تحسين استمراريتها وجودتها، وتطوير المهارات بما يتناسب مع حاجيات سوق العمل.
وفي هذا الإطار، يمكن للاستثمار المنتج أن يؤدي دوراً أساسياً في توسيع النشاط الاقتصادي وتقوية النسيج المقاولاتي. غير أن فعالية برامج تحفيز الاستثمار تظل مرتبطة بمدى قدرتها على تحقيق نتائج واضحة، سواء من حيث فرص العمل المحدثة أو استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمناطق الأقل حظاً من المشاريع الجديدة. لذلك، فإن ربط الحوافز العمومية بمؤشرات قابلة للتقييم، وتحسين مواكبة المقاولات، وتعزيز التكوين المهني، من شأنه أن يرفع من مردودية هذه البرامج ويوسع فرص الإدماج المهني.
وتقود هذه الأولويات إلى مسألة أوسع تتعلق بطبيعة النمو الاقتصادي الذي يسعى المغرب إلى تحقيقه. فبلوغ معدل نمو في حدود 5% يمثل طموحاً مهماً بالنظر إلى ما يمكن أن يوفره من فرص لدعم الاستثمار والإنتاج والتشغيل، لكن أثره يظل مرتبطاً بمدى انعكاسه على مداخيل الأسر، وقدرة المقاولات على التوسع، وتحسين الخدمات والبنيات التحتية.
فالنمو الاقتصادي لا يكتسب قيمته من المؤشرات الإجمالية وحدها، بل أيضاً من قدرته على توسيع فرص التنمية لتشمل قطاعات متعددة ومختلف جهات المملكة. ومن هنا، تبرز أهمية دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ومواصلة الاستثمار في المناطق القروية والجبلية، وتحسين البنيات التحتية، وتوسيع فرص المبادرة الاقتصادية خارج المراكز الكبرى.
وفي المقابل، يتطلب تمويل هذه الأولويات تدبيراً متوازناً للموارد، يراعي حاجيات الاستثمار الاجتماعي واستدامة المالية العمومية. ويظل تحسين فعالية الإنفاق، وترتيب المشاريع وفقاً لأثرها المتوقع، وتعبئة التمويلات المناسبة، من العوامل التي يمكن أن تساعد على تحقيق الأهداف المعلنة دون تحميل الفئات الهشة أعباء إضافية. وهو ما يجعل جودة التدبير عاملاً أساسياً في تحويل الطموحات الاقتصادية إلى نتائج اجتماعية ملموسة.
ومن هنا تبرز أهمية الحكامة والشفافية في إنجاح الإصلاحات. فنجاح السياسات العمومية لا يرتبط بحجم الموارد المرصودة وحده، بل كذلك بكيفية تدبيرها ووضوح قواعد استخدامها. وتكتسي مواصلة الجهود الرامية إلى مكافحة الفساد، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الصفقات العمومية، والوقاية من تضارب المصالح، أهمية خاصة في تحسين فعالية الإنفاق وتعزيز الثقة في المؤسسات.
كما أن تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، واعتماد معايير واضحة لتقييم البرامج، ونشر المعطيات المتعلقة بتقدمها، يمكن أن يساعد على توجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأولوية. فالمحاسبة لا تقتصر على رصد الاختلالات، بل تتيح أيضاً تثمين الممارسات الناجحة، واستخلاص الدروس، وتصحيح المسار عند الحاجة.
ولا تكتمل هذه الإصلاحات دون تحسين الخدمات الأساسية التي يلمس المواطن أثرها بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم. ففي القطاع الصحي، يرتبط التقدم بتحسين الولوج إلى العلاج، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات، وتقليص الفوارق بين المناطق، والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمرضى. أما التعليم، فيتطلب مواصلة الجهود لتحسين التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، وتطوير تكوين الأطر التربوية، وضمان تكافؤ الفرص بين المتعلمين.
وتتصل هذه الجوانب بدورها بمسألة العدالة المجالية، التي تقتضي توسيع الاستثمار في المناطق القروية والجبلية، وتحسين الولوج إلى النقل والماء والخدمات الصحية والتعليمية والإدارية. فالتنمية المتوازنة لا تعني فقط زيادة حجم الاستثمارات، بل أيضاً تحسين توزيعها بما يتيح للمواطنين فرصاً أفضل للاستفادة من الخدمات الأساسية، بصرف النظر عن مكان إقامتهم.
ويستدعي تحقيق هذه الأهداف تنسيقاً فعالاً بين القطاعات، وحسن توجيه الموارد، وتتبع المشاريع ميدانياً، خصوصاً في المناطق التي تواجه صعوبات أكبر في الولوج إلى الخدمات. كما يتطلب تحديد الأولويات وفقاً للحاجيات الفعلية، مع الحرص على تقييم النتائج بصورة منتظمة والاستفادة منها في تطوير السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اعتماد مقاربة واضحة لتقييم الحصيلة الحكومية، تقوم على تحديد أهداف قابلة للقياس، ووضع آجال واقعية، وتقديم معطيات منتظمة بشأن مستوى التقدم المحقق. فالتواصل بشأن النتائج، بما فيها الصعوبات وأسباب التأخر، يساعد على تكوين صورة أكثر موضوعية عن الأداء الحكومي، ويفتح المجال أمام اقتراح حلول عملية لتحسين التنفيذ.
وبالنظر إلى تعدد هذه الملفات، فإن نجاح الحكومة الجديدة سيظل مرتبطاً بقدرتها على ترتيب الأولويات، وتنسيق الجهود، وتحقيق تقدم تدريجي يتناسب مع الإمكانات المتاحة. وهي مهمة تطرح تحديات حقيقية، لكنها تتيح أيضاً فرصاً لتحسين الأداء العمومي وتعزيز فعالية السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
في نهاية المطاف، ستمنح الحصيلة الفعلية للسياسات المعتمدة الصورة الأوضح عن مسار الحكومة الجديدة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وتظل المرحلة المقبلة فرصة لتعزيز الثقة في العمل الحكومي، من خلال البناء على المكتسبات، ومعالجة الاختلالات، والاستفادة من التقييم المستمر للنتائج. فالأمل في نجاح التجربة لا يتعارض مع المساءلة، بل يكتسب مشروعيته من التقدم الملموس والقدرة على تصحيح المسار. وبين طموحات البرنامج وإكراهات الواقع، يبقى الرهان على تحويل الالتزامات إلى نتائج مستدامة، بما يدعم التنمية ويستجيب لتطلعات المغاربة.