المحمدية 2033: من مدينة الزهور إلى مدينة المعرفة - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الإثنين, أكتوبر 19, 2026
مدونات الأحداث

المحمدية 2033: من مدينة الزهور إلى مدينة المعرفة

الاحداث Alahdat.net

بقلم / ياسر مزواري فاعل مدني،باحث في الشؤون السياسية و الاجتماعية

كتبتُ هذا النص وأنا أمرّ، ككل أسبوع تقـريباً ، قرب الحديقة التـي كانت يوماً ما واجهة المحمدية أمام زوارها. المسؤولون يسمونها اليوم “فضاء أخضر قيد التأهيل”. أنا ما زلت أسميها، مثل جيلي كله، “الجردة أو البارك”. الفرق بين التسميتين هو، باختصار، قصة المدينة كلها

مدينة أعرف شوارعها أكثر مما تعرفني

نشأت هنا. لعبت كرة القـدم في أزقة العالية، وشاهدت أول فـيلم في حياتي فـي قاعة سينـــمائية أُغلقت منذ زمن و تحولت ، مثل غيرها، إلى شيء آخر لا يشبه شيئاً. لا أقول هذا من باب الحنين المجاني. أقوله لأن من عاش المحمدية في عزّها يعرف أن ما نتحدث عنه اليوم ليس خيالاً تنموياً مستحيلاً، بل استعادة لشيء كان موجوداً وأُهمل حتى صدئ

لكن الحنين وحده لا يبني مدينة، فدعونا من العاطفة قليلاً ونذهب إلى الأرقام

الرقم الذي يجب أن يوقفنا جميعاً

نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024 تقول إن جماعة المحمدية تعد 194.358 نسمة. الرقم في حد ذاته ليس المشكلة. المشكلة أنه أقل مما كان عليه قبل عشر سنوات. في 2014 كنا أكثر. فالجماعات المجاورة تكبر وتتمدد، وأحياء كاملة تُبنى على أطراف الدار البيضاء وعين السبع، ونحن نتناقص

توقفوا عند هذا قليلاً. مدينة تقع بين أكبر حاضرتين في البلاد، على بعد نصف ساعة من العاصمة الاقتصادية وساعة من العاصمة الإدارية، ولها واجهة بحرية وميناء وجامعة وتاريخ صناعي ورياضي… ثم يختار أبناؤها الرحيل. هذا ليس قدراً. هذا فشل في تدبير شيء ما، ومن العبث أن نتصرف وكأن الأمر قسمة ونصيب

اسألوا أي شاب من الحسنية أو العالية لماذا يريد الخروج، ولن يجيبكم بدراسة سوسيو-اقتصادية. سيجيبكم ببساطة: ما كاين والو هنا. لا شغل، لا فضاء، لا حتى مكان تقضي فيه مساءك دون أن تحس أن المدينة نائمة قبل وقتها

الجولة اليومية، بلا تنظير

أتحداكم أن تمشوا من المحطة إلى وسط المدينة وأنتم تنظرون تحت أقدامكم. أرصفة مكسورة، إنارة تعمل يوماً وتنطفئ أسبوعاً، وطرق تُعبد في الشوارع الكبرى وتُترك لحالها داخل الأحياء التي يسكنها الناس فعلاً. والفوارق واضحة لكل من له عينان: بين واجهة المدينة وأحيائها الداخلية مسافة أشبه بالمسافة بين مدينتين مختلفتين، لا حيين من جماعة واحدة

المحمدية التي حملت لقب “مدينة الزهور” قبل أن يولد كثير منا، تملك اليوم مساحات خضراء يشبه وضعها وضع مريض أُهمل في غرفة انتظار لسنوات. اللقب ما زال موجوداً في الخطابات الرسمية ولوحات الاستقبال. على أرض الواقع، هو ذكرى أكثر منه وصفاً مدينة أعطت للمغرب أسماء، ولا تملك قاعة سينما هذه الجملة ليست مبالغة صحفية، إنها وصف للواقع.

المحمدية التي خرّجت رياضيين وفنانين وأسماء وازنة في الثقافة والإعلام والسياسة، لا تملك اليوم قاعة سينمائية واحدة حديثة، ولا مسرحاً (رغم وجود بنايته) يحتضن عرضاً كل شهر. فريق كرة القدم الذي كان يرعب الكبار في زمنه صار هو الآخر ذكرى نستحضرها في المقاهي ولنكن صريحين: بناء قاعة ليس هو الإنجاز. رأينا في مدن كثيرة مرافق افتُتحت بأشرطة وصور وتصريحات، ثم أُغلقت أبوابها بعد سنتين لأن أحداً لم يفكر فيمن يديرها وكيف. المشكل ليس في الإسمنت، بل في الرؤية. من يشتغل داخل هذه الفضاءات؟ بأي برمجة؟ لصالح من؟

2033: ليس شعاراً، بل عقد عمل

هنا سأتوقف عن الشكوى وأقول ما أظنه ممكناً، لأن النقد و حده مجانٍ وسهل؛المحمدية تحتضن كلية العلوم والتقنيات، والمدرسة العليا لأساتذة التعليم التقني، ومؤسسات تعليم عالٍ أخرى.آلاف الطلبة يمشون في شــوارعها كل صــباح. هذه ليست تفـصيلة، هذه ثروة. السؤال: لماذا لا نبني عليها مشروعاً حــقيقياً يجعل المدينة قطباً للمعرفة والبحث و الابتكار ؟ لماذا لا تُفتح تخصصات في الذكاء الاصطناعي و الطاقات المتجددة والهندسة، بشراكة مع المقاولات الصناعية الموجودة أصلاً في المنطقة؟ الطلبة موجودون، الأرض موجودة، الموقع بين مدينتين كبريين موجود. الناقص الوحيد هو من يقرر أن هذا أولوية

الشيء نفسه يقال عن ” المدينة الذكية”. لا أطلب شاشات في كل زاوية ولا تطبيقات للاستعراض. أطلب أشياء بسيطة: إشارات مرور تنظم فعلاً بدل أن تزين، نقل حضري يحترم وقت الناس، وإدارة يستطيع المواطن أن يتابع فيها ملفه من هاتفه بدل أن يقف طابوراً ثلاث مرات لورقة واحدة.

التكنولوجيا موجودة ورخيصة

وأمــا الكورنيـش والواجهة البحرية ، فهما الكنز المهمل الذي يستحق وحده مقالاً . بحر المحمدية يمكن أن يكون رافعة سياحية واقتصادية ، لكن بشرط واحد لا يقبل التفاوت: أن يظل فضاءً عمومياً للساكنة أولاً، لا امتيازاً يُسلم لمن يدفع أكثر. رأينا ما حصل في شواطئ أخرى، ولسنا مستعدين لنسخة محلية منها.

من يتحمل المسؤولية؟ الجميع، ولا أحد يهرب..

المجالس المنتخبة تعاقبت، والوعود تكررت بحروف مختلفة ومعنى واحد. ومن حق الساكنة أن تسأل، لا أن تُلام على السؤال: أين ذهبت الميزانيات؟ لماذا تأخر هذا المشروع عشر سنوات؟ ولماذا تُنجز أشياء في حي ولا يُفكر فيها في حي آخر؟ الشفافية ليست منّة من أحد، إنها أساس أي ثقة

لكن الصدق يقتضي القول أيضاً إن المجلس الجماعي ليس وحده في الصورة. السلطات الترابية، القطاعات الحكومية، الجامعة، رجال الأعمال من أبناء المدينة، الجمعيات… كل هؤلاء شركاء، وكل واحد منهم يعرف دوره. المشكلة أن تعدد الشركاء في المغرب كثيراً ما يتحول إلى حجة: كل طرف ينتظر الآخر، والمدينة تنتظر الجميع.

تصوري العملي بسيط ومتدرج: من الآن إلى 2028، نُعالج المستعجل — طرق، إنارة، نظافة، فضاءات عمومية — ونُعد في نفس الوقت المشاريع الكبرى ونؤمن تمويلها. بين 2029 و2031، نُنجز الأوراش المهيكلة: الجامعة، الثقافة، الواجهة البحرية، التحول الرقمي. وسنتا 2032 و2033 للاستكمال والتقييم. ولكل مشروع ثلاثة أشياء تُعلن للناس: كلفته، والجهة المسؤولة عنه، وأجل إنجازه. من دون هذا، نكون أمام ورقة أخرى تُقرأ في ندوة وتُنسى في الأدراج.

خاتمة لا تنتهي بالتمني

سأكون أميناً معكم: أنا لست متشائماً بشأن هذه المدينة، رغم كل ما كتبته أعلاه. المتشائم لا يكتب أصلاً. المحمدية لم تفقد فرصتها ، هي فقط لم تستثمرها بعد.الفرق بين الوضعين كبير
في 2033 أريد أن أمشي في المدينة مع أبنائي وأشير إلى مكان وأقول لهم: هنا كانت حديقة مهملة، وهنا كان مبنى فارغ، وهنا لم يكن شيء. لكن قبل ذلك، أريد أن يتوقف الكلام وتبدأ الأوراش.

error: