32 وزيراً.. هل هي حكومة كفاءات أم «شركة مساهمة» لإرضاء الشركاء؟ - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
السبت, أكتوبر 17, 2026
سياسة

32 وزيراً.. هل هي حكومة كفاءات أم «شركة مساهمة» لإرضاء الشركاء؟

الأحداث✍️

ليس السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل بال المغاربة في لحظتهم السياسية والاقتصادية الراهنة: هل يحتاج المغرب إلى 32 وزيراً ووزيراً منتدباً؟ بل السؤال الأكثر عمقاً وإيلاماً هو: هل صُممت هذه الخريطة الحكومية على مقاس حاجيات الدولة والإدارة والمواطن، أم على مقاس الحسابات الصغيرة لرؤساء الأحزاب وهم يجلسون في الغرف المغلقة، يعيدون اقتسام الغنيمة ويتداولون «سندات الترضية»؟

حين يتضخم الهيكل التنفيذي ليصل إلى هذا الرقم القياسي، وتُخلق مناصب وقطاعات من العدم ليتولى أصحابها صفة وزير، فإننا لا نكون أمام اجتهاد تنظيمي لرفع النجاعة أو تسريع وتيرة الإصلاح، بل أمام ممارسة سياسية هجينة تُعلي من شأن التوافقات الحزبية الضيقة على حساب المعايير المؤسساتية الصارمة.

لسنا هنا بصدد ممارسة نقد شعبوي مجاني يستكثر على الدولة كبار مسؤوليها، ولا نعتبر كل حقيبة إضافية مجرد رقم في بند النفقات والميزانيات؛ فالإشكال ليس مالياً بحتاً، بل هو إشكال «معنى» و«جدوى». ما القيمة المضافة التي سيحملها هذا التوسع؟ وما الملف الذي كان معطلاً بالأمس وسيصبح مفرجاً عنه اليوم لمجرد أننا أضفنا وزيراً منتدباً؟ وهل نملك الجرأة لنسأل: هل نحن أمام حكومة كفاءات قادرة على الإنجاز، أم أمام «شركة مساهمة» يُعاد توزيع أسهمها وفق ميزان القوى بين الشركاء؟

في المنظومات الديمقراطية العريقة، تعتبر التحالفات الحكومية زواج ضرورة، وتستدعي منطقياً تقديم تنازلات متبادلة لضمان استقرار المؤسسات. غير أن المأساة تبدأ عندما تتحول التنازلات من وسيلة لتسهيل العيش المشترك داخل الأغلبية إلى غاية في حد ذاتها، وعندما تصبح هندسة الحقائب وإرضاء الخواطر سابقة، بالضرورة، على هندسة السياسات العمومية وتدبير الأزمات.

هنا يكمن الجوهر الفاسد للترضية الحزبية: بدل أن ينكب رئيس الحكومة على التفكير في كيفية بناء فريق منسجم ومتكامل، يجد نفسه مستغرقاً في حل معادلات سياسية معقدة: كيف أرضي هذا الطرف، وأضمن صمت ذاك، وأغلق باب العاصفة داخل هذا الحزب أو ذاك؟ وبدل أن يُسند المنصب بناءً على خبرة تراكمية وكفاءة مشهودة، يصبح المقعد الوزاري مجرد «شيك على المكشوف» أو مكافأة نضالية داخلية، تُمنح في سياق التفاوض باعتبارها امتيازاً بروتوكولياً.

إن البنية الحكومية المتضخمة لا تنتج بالضرورة سوى تشتيت المسؤولية. فحين تتداخل الاختصاصات بين وزير أصلي ووزير منتدب وكاتب دولة، وتضيع الخيوط بين الوزارات العابرة للقطاعات، تصبح الإدارة ساحة لتنازع الصلاحيات بدل أن تكون بؤرة للإنجاز. وعندما يسقط ملف عمومي في فخ الفشل أو البطء، لن تجد مسؤولاً يجرؤ على تحمل المسؤولية بشكل صريح؛ إذ سيرمي كل طرف جمر الإخفاق في حديقة الآخر، والنتيجة في النهاية: مواطن ينفد صبره، ومالية عمومية تُنهك، وإدارة تائهة بين التعليمات والمذكرات المتضاربة.

ولا تتوقف المسألة عند حدود الصفة البروتوكولية؛ فالمناصب الحكومية لها كلفة سياسية ومادية ورمزية، ومن حق الشارع المغربي ألا يُطلب منه الصبر والصمت بينما يرى وزارات تُفصّل على مقاس الأسماء. فالحكومة لا تشتغل في كوكب معزول، بل في واقع مغربي يغلي بالانتظارات الملحة: قدرة شرائية تكتوي بنار الغلاء، وشباب يطارد فرص الشغل، ومستشفيات تئن تحت وطأة الهشاشة، ومدرسة عمومية تبحث عن روحها الضائعة. وفي ظل هذا المشهد، يصبح إغراق المواطن بوجبة دسمة من المناصب والوزراء نوعاً من الانفصال عن النبض الحي للشارع.

والمفارقة المؤلمة أن الأحزاب نفسها، التي تتغنى في استوديوهات التلفزيون وشاشات الإعلام بشعارات «الحكامة» و«ربط المسؤولية بالمحاسبة» و«ترشيد الإنفاق»، هي أول من يقدم التوازنات التنظيمية الداخلية ورغبات الكوادر على حساب الخدمة العامة بمجرد أن تُفتح أظرفة الحقائب. فالاختبار الحقيقي للصدق السياسي لا يكون في الوعود الانتخابية المعسولة، بل في تلك اللحظة الحرجة التي يُفاوض فيها على السلطة: هل تنتصر الدولة أم ينتصر الحزب لمقاعده؟

لا أحد يستطيع الجزم بأن الحكومة المصغرة هي بالضرورة حكومة ناجحة، كما أن التشكيلة الموسعة ليست دليلاً على العافية والقوة؛ فالعبرة دائماً بالنتائج، ووضوح الاختصاصات، وقدرة قائد الفريق على ضبط إيقاع العمل الجماعي. لكن من حق المغاربة العاديين أن يرفضوا جعل الاستقرار الحكومي ذريعة مقدسة لتضخيم الأجهزة، أو التغطية على العجز عن بلورة إصلاحات هيكلية شجاعة.

في النهاية، لن تُقاس هذه الحكومة بالعدد الكبير لأعضائها، ولا بالطاولة الطويلة التي ستجمعهم في المجلس الحكومي، بل بمدى قدرتها على تحويل تلك الحقائب الأنيقة إلى قرارات شجاعة تحمي الطبقة الوسطى، وتداوي جراح الفئات الهشة، وتُعيد للسياسة معناها النبيل.

حين تتقدم حسابات الترضية على واجبات الوطن، تتحول الحكومة من أداة لخدمة الصالح العام إلى «ملتقى طرق» لتدبير مصالح الكبار. والمغاربة اليوم لا ينتظرون حكومة تُتقن فن توزيع المناصب والهدايا السياسية، بل ينتظرون رجال دولة يملكون الشجاعة لدفع ثمن القرارات الصعبة.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: