حكومة المنصوري وأحزاب الكتلة.. هل تعود السياسة إلى مركز القرار؟ - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الجمعة, أكتوبر 16, 2026
سياسة

حكومة المنصوري وأحزاب الكتلة.. هل تعود السياسة إلى مركز القرار؟

الأحداث✍️عبد الصادق عبادة

حين نتحدث عن حكومة سياسية، فإننا لا نتحدث فقط عن ائتلاف حزبي يمتلك أغلبية برلمانية، ولا عن أسماء تتوزع بينها الحقائب الوزارية وفق حسابات التوازن والتفاوض، بل نتحدث عن مشروع للحكم، وعن رؤية للدولة والمجتمع، وعن قدرة على تحويل السلطة إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. فالحكومة، في نهاية المطاف، ليست مجرد جهاز لتدبير الشأن العام، وإنما هي التعبير العملي عن اختيارات سياسية تتحمل الأحزاب مسؤولية الدفاع عنها وتنفيذها ومساءلة أصحابها أمام الرأي العام.

من هذه الزاوية، يكتسب الحديث عن حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، في تحالف يضم أحزابًا من بينها الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، دلالة تتجاوز مجرد تشكيل أغلبية جديدة. فنحن أمام تقاطع سياسي يستحضر، بصورة أو بأخرى، ذاكرة الكتلة الديمقراطية وتجربة التناوب التي قادها عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998، حين انتقلت أحزاب المعارضة إلى تدبير الشأن الحكومي في سياق تاريخي كانت فيه مطالب الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي تحتل موقعًا مركزيًا في النقاش الوطني.

غير أن استحضار التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى حنين سياسي، ولا إلى محاولة لإعادة إنتاج تجربة انتهت شروطها وتغيرت سياقاتها. فالمغرب الذي عرف حكومة التناوب ليس هو المغرب الذي يواجه اليوم تحديات التشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية والتحولات الرقمية والمناخية، كما أن العالم الذي كان يتجه نحو مزيد من الانفتاح الاقتصادي أصبح يعيش على وقع صراعات جيوسياسية وأزمات متلاحقة تعيد طرح أسئلة السيادة والأمن الغذائي والطاقي والاستقلال الاقتصادي.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعودة بعض أحزاب الكتلة إلى الحكومة بقدر ما يتعلق بقدرتها على استعادة المعنى السياسي للمشاركة الحكومية. هل نحن أمام تحالف يملك مشروعًا إصلاحيًا واضحًا، أم أمام أغلبية تجمعها ضرورة تدبير السلطة أكثر مما تجمعها وحدة الرؤية؟ وهل تستطيع هذه التركيبة أن تنقل السياسة من منطق التوازنات الحزبية إلى منطق الاختيارات الكبرى التي تحدد مستقبل الدولة والمجتمع؟

إن الفرق بين حكومة سياسية وحكومة لتدبير الشأن العام ليس فرقًا شكليًا. فالحكومة السياسية هي التي تعرف لماذا تتخذ قرارًا معينًا، وما الأهداف التي تريد بلوغها، ومن يتحمل كلفة اختياراتها، وكيف يمكن قياس نتائجها. وهي التي لا تكتفي بتقديم الأرقام والبلاغات، بل تضع المواطن في قلب المعادلة، وتشرح له حدود الممكن، وتصارحه بالإكراهات، وتتحمل المسؤولية حين تتعثر البرامج أو تخفق السياسات.

أما الحكومة التي تختزل السياسة في تدبير اليومي، فإنها قد تنجح في ضمان استمرارية المؤسسات، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج التحول الذي ينتظره المجتمع. فالدولة لا تتقدم بمجرد انتظام الاجتماعات الحكومية، ولا تتعزز الثقة في المؤسسات بكثرة الوعود، وإنما بقدرة السياسات العمومية على تغيير الواقع، ولو بصورة تدريجية، وبإحساس المواطن بأن صوته الانتخابي لم يكن مجرد تفويض مؤقت، بل مدخلًا للمشاركة في تحديد الأولويات ومساءلة المسؤولين.

ومن هنا تبرز أهمية التحالف الذي يجمع حزب الأصالة والمعاصرة بأحزاب ارتبطت تاريخيًا بتجربة الكتلة الديمقراطية. فهذه الأحزاب لا تدخل المشهد من فراغ، بل تحمل معها تجارب سياسية مختلفة، ورصيدًا من الأفكار والمرجعيات والتصورات بشأن الدولة والمجتمع والعدالة الاجتماعية. غير أن هذا الرصيد لا يشكل في حد ذاته ضمانة للنجاح؛ فالتاريخ السياسي لا يمنح صكوك براءة دائمة، والشرعية النضالية لا تعفي من امتحان الإنجاز.

إن الاتحاد الاشتراكي، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، مثل غيرها من القوى السياسية، مطالبة اليوم بأن تثبت أن مشاركتها الحكومية تستند إلى برنامج قابل للتنفيذ، لا إلى مجرد استعادة رمزية لمواقع داخل السلطة. كما أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يتصدر هذه التجربة وفق الفرضية التي يقوم عليها هذا المقال، مطالب بأن يبرهن على قدرته على قيادة ائتلاف متعدد المرجعيات، وتحويل اختلاف مكوناته إلى مصدر للإغناء السياسي بدل أن يتحول إلى سبب للتردد أو تعطيل القرار.

وهنا يكمن امتحان فاطمة الزهراء المنصوري. فقيادة الحكومة، إذا تأكدت رسميًا بهذه الصيغة، لا تعني فقط رئاسة اجتماعاتها أو الإشراف على تنسيق قطاعاتها، بل تعني القدرة على صياغة رؤية مشتركة، وترتيب الأولويات، وحسم الخلافات، وضمان أن تكون المسؤولية الحكومية واضحة أمام المواطنين. فالائتلاف السياسي لا يُختبر عندما تتوزع المناصب، بل عندما تختلف المصالح، وتصبح القرارات مكلفة، وتفرض الإصلاحات على بعض الأطراف التخلي عن حسابات ضيقة لصالح المصلحة العامة.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام باعتباره دعوة إلى حكومة تهيمن فيها القيادة التنفيذية على بقية المؤسسات أو تتجاوز الضوابط الدستورية. فالحكومة القوية ليست تلك التي تتحرك بلا رقابة، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرار داخل إطار القانون، وتستطيع الدفاع عن اختياراتها أمام البرلمان والرأي العام، وتقبل تقييم أدائها وتصحيح أخطائها. فقوة الحكومة لا تنفصل عن قوة المؤسسات التي تعمل داخلها، ولا عن الثقة التي تستطيع بناءها مع المجتمع.

ولعل أكبر امتحان ينتظر أي حكومة سياسية في المغرب هو قدرتها على التعامل مع التناقض بين ارتفاع انتظارات المواطنين ومحدودية الموارد المتاحة. فالشباب يريد فرصًا حقيقية للشغل، والأسر تبحث عن الاستقرار في مواجهة تكاليف المعيشة، والمواطنون ينتظرون خدمات صحية وتعليمية أكثر جودة، والمجالات القروية والمناطق البعيدة تطالب بنصيب عادل من التنمية. وهذه ليست مطالب قطاعية متفرقة، بل تعبير عن سؤال اجتماعي أعمق يتعلق بمدى قدرة الدولة على ضمان تكافؤ الفرص وتوزيع ثمار التنمية بصورة أكثر إنصافًا.

ولا يمكن لأي حكومة أن تدعي امتلاك الحلول السحرية لهذه الملفات، لكن بإمكانها أن تحدد أولوياتها بوضوح، وأن توزع الموارد وفق اختيارات معلنة، وأن تجعل من تقييم السياسات العمومية أداة لتصحيح المسار. فالمواطن قد يتفهم صعوبة الظروف، لكنه يصعب عليه تقبل غياب الوضوح، أو استمرار الوعود دون نتائج قابلة للتحقق، أو اختلاط المسؤوليات إلى درجة يصبح معها من المستحيل معرفة من اتخذ القرار ومن يتحمل تبعاته.

وتزداد هذه المسؤولية تعقيدًا في ظل التحولات الدولية. فالحكومة لم تعد تدبر اقتصادًا مغلقًا يمكن التحكم في جميع شروطه، بل تعمل في عالم تؤثر فيه اضطرابات الأسواق العالمية، وتغيرات المناخ، وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الغذائية، والتنافس التكنولوجي، على الخيارات الداخلية للدول. ولذلك، فإن قوة الحكومة السياسية تقاس أيضًا بقدرتها على استشراف المخاطر، وتنويع الشراكات، وتعزيز الإنتاج الوطني، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وتوسيع هامش استقلال القرار الاقتصادي.

إن السيادة اليوم لا تعني الانغلاق عن العالم، بل تعني امتلاك البدائل التي تسمح للدولة بالتفاوض من موقع أكثر توازنًا. ولا تعني رفع الشعارات حول الاستقلال الاقتصادي، بل بناء القدرات التي تجعل الاقتصاد الوطني أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات. ومن ثم، فإن أي مشروع حكومي جاد ينبغي أن يربط بين العدالة الاجتماعية والتنافسية الاقتصادية، وبين الاستجابة لحاجات الحاضر والاستعداد لتحديات المستقبل.

وفي هذا السياق، تصبح عودة أحزاب ارتبطت تاريخيًا بخطاب الإصلاح الاجتماعي إلى واجهة العمل الحكومي فرصة لاختبار مدى قدرتها على ترجمة مرجعياتها إلى سياسات ملموسة. فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد حضورها في البرامج الانتخابية، وإنما حين تنعكس على فرص التشغيل، وجودة المدرسة العمومية، والولوج إلى العلاج، والقدرة على السكن، وتقليص الفوارق المجالية. كما أن الإصلاح الديمقراطي لا يكتمل بمجرد المشاركة في الحكومة، بل يحتاج إلى مؤسسات فعالة، ورقابة حقيقية، وإعلام قادر على مساءلة المسؤولين، ومجتمع مدني يشارك في النقاش العام.

إن الرهان، في النهاية، ليس أن تتشابه هذه التجربة مع حكومة التناوب أو أن تعيد إنتاج خطابها، بل أن تستوعب دروس التاريخ وتستجيب لأسئلة الحاضر. فلكل مرحلة شروطها، ولكل جيل انتظاراته، ولا يمكن لأي حكومة أن تستمد قوتها من الذاكرة وحدها. إنما تستمدها من قدرتها على بناء الثقة، وتقديم بدائل واقعية، وتحمل المسؤولية السياسية عن النتائج التي تحققها أو تعجز عن تحقيقها.

قد تمنح التحالفات الحزبية الحكومة قاعدة برلمانية تساعدها على تمرير قراراتها، لكن الأغلبية العددية لا تكفي وحدها لإنتاج القوة السياسية. فهذه القوة تنشأ عندما تتوحد الرؤية، وتنسجم السياسات، وتتضح المسؤوليات، ويشعر المواطن بأن العمل الحكومي يتجه فعلًا نحو معالجة مشكلاته. أما حين تتحول الحكومة إلى مجرد توازن بين أحزاب تسعى كل واحدة منها إلى حماية رصيدها الانتخابي، فإن المشروع المشترك يصبح أول الضحايا، وتتحول السياسة إلى إدارة للمواقع بدل أن تكون أداة للتغيير.

لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق تجربة حكومة المنصوري، في حال تثبتت هذه التركيبة رسميًا، ليس كم حزبًا اجتمع حول طاولة الحكم، بل ما المشروع الذي يجمع هذه الأحزاب؟ وما الذي ستغيره في حياة المغاربة؟ وكيف ستوازن بين ضرورات الإصلاح الاجتماعي وإكراهات الاقتصاد والتحولات الدولية؟ ومن سيُحاسب عندما تتعثر البرامج أو تتراجع النتائج عن مستوى الوعود؟

تلك هي الأسئلة التي تمنح الحكومة معناها السياسي الحقيقي. فالحكومة ليست قوية لأنها تملك السلطة، بل لأنها تعرف كيف تستخدمها لخدمة المصلحة العامة. وليست سياسية لأنها تضم أحزابًا ذات تاريخ، بل لأنها تستطيع تحويل هذا التاريخ إلى مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل.

فالمغاربة لا يحتاجون إلى استعادة صورة حكومة التناوب بقدر ما يحتاجون إلى استعادة الثقة في السياسة نفسها؛ ولا ينتظرون من الأحزاب أن تتقاسم السلطة فحسب، بل أن تثبت أن السلطة، حين تصبح مسؤولية مشتركة، قادرة على تغيير الواقع وصناعة أفق أفضل للدولة والمجتمع.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: