
الأحداث✍️عبد الصادق عبادة
ليست كل استقالة في السياسة موقفاً أخلاقياً، ولا كل مغادرة لموقع المسؤولية بطولة تُرفع لها القبعات. ففي أدبيات التدبير السياسي، لا يُقاس القرار بجمالية العبارات التي تُكتب في بلاغات الاستقالة، بل بالتوقيت الذي تُشهر فيه هذه الاستقالة، وما يُترك خلفها من أوزار وحصائل.
حين يختار رئيس جماعة أو مسؤول منتخب أن يستقيل شهوراً قليلة قبل موعد الاقتراع، فهو لا يمارس حقه الديمقراطي في الاحتجاج، بل يمارس، في أغلب الأحيان، «رياضة الهروب إلى الأمام». إنه يحاول القفز من السفينة قبل أن تصل إلى ميناء الحساب، ويبحث عن «عنوان جديد» يغسل فيه يديه من آثار مرحلة كاملة من التسيير والقرارات والوعود المتبخرة.
السؤال البسيط والمباشر الذي يتهرب الجميع من الإجابة عنه هو: لماذا الآن؟
لماذا لم تظهر هذه «المبادئ المفاجئة» في بداية الولاية الانتدابية، حين كان تصحيح المسار ممكناً؟ ولماذا لم يُعلن هذا الخلاف التنظيمي الحاد حين كانت القرارات تُتخذ والميزانيات تُصرف؟ لماذا تنتفض الضمائر فقط عندما تقترب لحظة توزيع التزكيات، ويتحول الحزب القديم من «جسر للعبور» إلى «عبء انتخابي» يهدد البقاء؟
إن التوقيت في السياسة ليس مجرد رقم في التقويم؛ فالتوقيت هو الرسالة الحقيقية. واستقالة «الدقيقة التسعين» ليست سوى محاولة لإعادة تموضع نفعية، يُغلفها أصحابها بشعارات مظلومية مفبركة، للتملص من الوقوف أمام المواطنين وحمل الحصيلة على الأكتاف.
لكن، هل تمحو الاستقالة إرث التسيير؟
الجواب القاطع: لا.
السياسي الذي تولى الشأن العام لسنوات لم يكن يشغل مقعداً في حافلة يستطيع النزول منه متى شاء ليغير الوجهة. لقد مارس السلطة بتفويض شعبي، وأدار أموالاً عمومية، واتخذ قرارات أثرت مباشرة في حياة الناس. ومن هنا، فإن المغادرة الإدارية لا تُنهي المساءلة الأخلاقية.
قد يُغلق المستقيل بابه الحزبي، لكنه لا يستطيع أن يُغلق ذاكرة المدينة أو الإقليم. فالتعثرات والوعود الزائفة لا تسقط بمجرد تغيير «اللون السياسي» أو شطب الاسم من لائحة حزبية.
والمشكلة لا تقف عند حدود المنتخبين الفارين من حصيلتهم، بل تمتد إلى الأحزاب السياسية التي تحولت، للأسف، إلى «دكاكين لتأجير السيارات الانتخابية».
حزب يمنح تزكيته لمنتخب مستقيل دون أن يسأله: «ماذا قدمت في تجربتك السابقة؟ ولماذا غادرت موقعك؟» هو حزب يشارك بدم بارد في عملية «تبييض الفشل السياسي».
حين يصبح الأهم بالنسبة للقيادات الحزبية هو «الخزان الانتخابي» للمرشح وقدرته على جلب الأصوات والمقاعد، على حساب البرنامج والالتزام الأخلاقي، فإننا لا نكون أمام تنافس ديمقراطي، بل أمام سوق مفتوحة للتبادل التجاري بالرموز الحزبية.
المواطن اليوم لم يعد مغفلاً ليُطلب منه التكيف مع هذا «الترحال السريع». أزمة الثقة المستشرية في المشهد السياسي لا تعود فقط إلى ضعف الإنجازات، بل إلى رداءة الأخلاق السياسية؛ إلى مشاهدة الوجوه ذاتها تعود في كل ولاية بلافته مختلفة، وكأن تغيير القميص الكروي كفيل بمنح اللاعب لياقة جديدة!
في النهاية، يحق لأي سياسي أن يغيّر حزبه أو يستقيل من منصبه، لكن ليس من حقه أن يستقيل من ماضيه، أو أن يطلب من الناخبين محو ذاكرتهم. فالاستقالة لا تمحو حصيلة التسيير، ولا تعفي من المساءلة عن الإخفاقات أو الخروقات المحتملة.
فالاستقالة الحقيقية هي شجاعة تقديم الحساب، لا حيلة للهروب منه.
أما من يغادر موقع المسؤولية قبيل الانتخابات تفادياً للمحاسبة، فلا يغيّر بتغيير لونه السياسي حقيقة ما تركه وراءه؛ بل يخاطر بأن يكشف للناخبين أن ما يبحث عنه ليس خدمة الصالح العام، وإنما النجاة من إرث التسيير والعودة إلى المقعد من باب آخر.