
الأحداث✍️عبد الصادق عبادة
قراءة نقدية في حصيلة حكومة 2021–2026
ليست كل نهاية سياسية هزيمة، وليست كل حصيلة حكومية نجاحًا. لكن ثمة لحظة في عمر الحكومات يصبح فيها من حق المواطنين أن يضعوا الوعود على طاولة الحساب، وأن يسألوا أصحاب القرار: ماذا فعلتم بالثقة التي منحكم إياها الناخبون؟ وماذا بقي من الشعارات حين اصطدمت بامتحان الواقع؟
انتهت تجربة عزيز أخنوش على رأس الحكومة، وأُغلقت صفحة سياسية امتدت خمس سنوات، بعد انتخابات شتنبر 2026 التي تصدّر فيها حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر.
لكن مغادرة مكتب رئاسة الحكومة لا تعني أن الأسئلة غادرت معها. فالحكومات تنتهي دستوريًا، أما آثار قراراتها ونتائج سياساتها فتبقى موضوعًا للمحاسبة العامة.
لكن الأرقام المتداولة في نهاية الولاية أعادت هذا الوعد إلى دائرة المساءلة. فقد أورد تحليل نشرته «ميديا 24» أن صافي إحداث فرص الشغل حتى نهاية 2025 بلغ نحو 95 ألف منصب، بينما اعتمدت الحكومة مؤشرًا آخر، تحدثت بموجبه عن إحداث 850 ألف منصب شغل غير فلاحي خلال الفترة نفسها. والرقمان لا يقيسان الشيء نفسه، وهو ما يجعل توضيح منهجية الحساب أمرًا أساسيًا في أي تقييم منصف.
هنا تكمن المشكلة السياسية: عندما يكون الوعد واضحًا، ينبغي أن تكون طريقة قياس الوفاء به واضحة أيضًا.
لا يكفي أن تقول الحكومة إن الاقتصاد خلق فرصًا للعمل؛ عليها أن تجيب عن أسئلة الشباب: كم منصبًا صافيًا أُحدث؟ كم فرصة كانت مستقرة؟ كم شابًا وجد عملًا يتيح له الاستقلال عن أسرته؟ وما أثر هذه السياسات في البطالة، خصوصًا بين حاملي الشهادات؟
فالاقتصاد لا يُقاس فقط بما يستقطبه من استثمارات، بل أيضًا بما يتيحه من فرص للناس كي يعيشوا من عملهم، لا من انتظارهم.
ثمة فرق كبير بين أن يتراجع معدل التضخم وأن تعود القدرة الشرائية إلى مستواها السابق. فتراجع وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني أن الأسعار نفسها انخفضت، ولا أن الأجور لحقت بها.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في الخطاب الاقتصادي: قد تكون بعض المؤشرات في طريق التحسن، بينما لا تزال الأسرة تشعر بأن دخلها لم يعد يكفيها كما كان.
المواطن لا يشتري المؤشرات الاقتصادية من السوق، بل يشتري الخبز والخضر والدواء ويدفع فواتير الماء والكهرباء والنقل. لذلك، لا يمكن أن تكون حصيلة مكافحة الغلاء مكتملة ما لم تتضمن قياسًا واضحًا لما حدث للدخل الحقيقي للأسر، ولمستوى الفقر والهشاشة، وللفئات التي لم تستفد بما يكفي من التدخلات الحكومية.
ما قيمة التغطية الصحية إذا ظل العلاج المتخصص بعيد المنال؟ وما جدوى الدعم إذا كانت الأسرة مضطرة إلى إنفاق جزء كبير منه على خدمات يفترض أن تكون متاحة بجودة مناسبة في القطاع العمومي؟ وما معنى الحماية الاجتماعية إذا ظل الشغل المستقر حلمًا بالنسبة إلى كثير من الشباب؟
المشكلة ليست في أن الحكومة أطلقت برامج اجتماعية، بل في ضرورة قياس أثرها الحقيقي، ومعرفة ما إذا كانت قد خففت الهشاشة بصورة مستدامة أم اكتفت بتخفيف بعض آثارها.
وهذا يفرض سؤالًا مباشرًا: هل نجحت الحكومة في بناء منظومة اجتماعية متماسكة، أم أنها حققت تقدمًا في توسيع التغطية بينما ظلت جودة الخدمات وتكافؤ الفرص تحديين قائمين؟
فالمريض يريد طبيبًا وموعدًا وعلاجًا، لا مجرد إعلان عن إصلاح المنظومة الصحية. والتلميذ يحتاج إلى مدرسة جيدة وأستاذ وظروف تعلم ملائمة، لا إلى تغييرات تنظيمية لا يلمس أثرها في القسم.
وقد أظهرت الاحتجاجات التي عرفها قطاع التعليم خلال الموسم الدراسي 2023–2024، على خلفية النظام الأساسي الجديد، أن تدبير الإصلاحات الاجتماعية يحتاج إلى الحوار والثقة والاستعداد للخلافات قبل أن تتحول إلى أزمة.
وفي قطاع الصحة، أعادت المطالب الاجتماعية التي برزت خلال احتجاجات الشباب سنة 2025 التأكيد على أن جودة الخدمات العمومية ظلت قضية محورية في النقاش العام.
لا يعني ذلك أن كل الإصلاحات فشلت، ولا أن الاختلالات كلها بدأت مع هذه الحكومة. لكنه يعني أن الحكومة تتحمل مسؤولية سياسية عن الطريقة التي أدارت بها الإصلاحات، وعن قدرتها على تحويل الإنفاق العمومي إلى خدمات ملموسة.
والخطأ الذي ينبغي تفاديه في تقييم التجربة هو الاكتفاء بجرد الميزانيات والقوانين والاتفاقات. فالمعيار الأهم هو ما إذا تحسنت جودة التعلمات، وتقلص الاكتظاظ والهدر المدرسي، وتحسنت ظروف العلاج، وتراجعت الفوارق بين المناطق.
فحين يشعر المواطن بأن خطابه اليومي لا يشبه الخطاب الرسمي، وحين تتكرر المطالب نفسها بشأن العمل والصحة والتعليم، يصبح السؤال عن جدوى المشاركة السياسية أكثر إلحاحًا.
وقد كشفت انتخابات شتنبر 2026 عن تغير في موازين القوى، مع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، وتراجع التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة التالية. كما أشارت تقارير صحفية إلى أن المشاركة الانتخابية ظلت محدودة مقارنة بانتخابات 2021.
ولا يجوز تفسير هذه النتائج بعامل واحد، أو اعتبارها حكمًا نهائيًا على كل سياسات الحكومة. فالاختيار الانتخابي يتأثر بعوامل متعددة، من بينها أداء الأحزاب والتحالفات والمرشحون والسياق العام.
لكن انتقال القيادة الحكومية إلى حزب آخر يفتح الباب أمام سؤال سياسي مشروع: ما الذي ينبغي أن يتغير حتى يشعر المواطن بأن صوته قادر على التأثير في السياسات والنتائج؟
إن استعادة الثقة لا تتحقق بتغيير الشعارات أو الوجوه وحدها، بل بإرساء علاقة أوضح بين الوعد والإنجاز، وبين القرار والمسؤولية، وبين المال العام والنتيجة الاجتماعية.
مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل فريق جديد، تبدأ مرحلة سياسية مختلفة. غير أن الحكومة المقبلة لن تبدأ من صفحة بيضاء؛ ستجد أمامها ملفات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية تراكمت خلال سنوات، بعضها مرتبط باختيارات الحكومة السابقة، وبعضها الآخر يتصل بتحديات بنيوية أعمق.
والتحدي الحقيقي أمام المنصوري ليس أن تقدم نفسها باعتبارها نقيضًا لأخنوش في كل شيء، ولا أن تعيد تدوير الوعود نفسها بصياغة جديدة. بل أن تضع برنامجًا واضحًا، بأهداف قابلة للقياس وآجال معلنة، وأن توضح للمواطنين ما الذي ستغيره في السياسات التي لم تحقق النتائج المنتظرة.
فإذا تغير رئيس الحكومة وبقيت العلاقة بين الاستثمار والتشغيل على حالها، وإذا استمر التفاوت بين التغطية الصحية وجودة العلاج، وإذا بقيت الفوارق المجالية تحدد فرص الأطفال والشباب، فإن التغيير السياسي سيظل أقل من انتظارات المجتمع.
أما إذا تحولت نهاية الولاية السابقة إلى فرصة لاستخلاص الدروس، وتعزيز الرقابة، وتحسين جودة الخدمات، وربط المسؤولية بالنتائج، فسيكون الانتقال السياسي قد اكتسب معنى يتجاوز مجرد تداول الأسماء.
فالمواطن لا يعيش داخل تقرير الحصيلة، بل خارج أبواب المستشفى، وفي سوق الخضر، وفي طابور الباحثين عن العمل، وفي المدرسة التي يريد أن تمنح أبناءه فرصة عادلة.
انتهت تجربة أخنوش، لكن امتحان الدولة الاجتماعية لم ينته. وتغيرت القيادة الحكومية، لكن السؤال الذي يواجه السياسة المغربية ما زال هو نفسه:
متى تصبح الوعود نتائج، ومتى تصبح النتائج حقائق يلمسها المواطن في حياته اليومية؟
ذلك هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به الحكومة التي غادرت، والحكومة التي بدأت مرحلة تشكيلها، وكل حكومة ستأتي بعدهما.