
الاحداث Alahdat.net
بقلم: ياسر مزواري، باحث في الشؤون الاجتماعية و السياسية، فاعل مدني
في خطاب افتتاح البرلمان،شدّد جلالة الملك محمد السادس على العمل الميداني وعلى الوقوف عند المشاكل الحقيقية لكل منطقة.
وبهذا عاد موضوع الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري إلى واجهة النقاش. والسؤال العملي اليوم: ما الذي يعرقل إنجاز المشاريع محلياً؟ وكيف نمنح المؤسسات الترابية الصلاحيات والوسائل التي تجعلها قادرة على تلبية انتظارات الساكنة؟
ورغم أن الخطاب أُلقي أمام أعضاء البرلمان، فإن القضايا التي يطرحها تهم الأمة بمختلف مكوناتها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن حصر مسؤولية النهوض بالتنمية الترابية في الحكومة أو البرلمان؛ فالأحزاب والنقابات والهيئات المهنية والمنتخبون والمواطنون معنيون، كل من موقعه، بما يتطلبه هذا الورش من عمل ومشاركة ومحاسبة.
ويقتضي هذا العمل معرفة دقيقة بحاجات كل منطقة. في جماعة، يشغل الناسَ قربُ المدرسة والمركز الصحي. وفي أخرى، يكون الهمّ هو النقل أو فرص الشغل أو استثمار متعثر. هذا التفاوت يفرض حضوراً ميدانياً وإنصاتاً دائماً، ومرونة في إعداد البرامج حتى تنطلق من الأولويات الحقيقية.
وقبل السؤال عما ينبغي نقله من صلاحيات، يبرز سؤال من سيتولى ممارستها. فالمنتخبون المقبلون على تدبير الجهات والجماعات ينبغي أن يكونوا في مستوى تطلعات الساكنة.
ولأن جانباً أساسياً من نجاح الجهوية والعمل الجماعي يتوقف على أدائهم، فإن مسؤولية الأحزاب تبدأ من التزكية، باختيار مرشحين أكفاء، ذوي مسارات واضحة في العمل والخبرة وخدمة المجتمع، وقادرين على فهم الملفات ومتابعتها وتحمل مسؤولية القرار.
وتنطوي مسؤولية الاختيار على التمثيل في مجلس المستشارين أيضاً. فالأحزاب والنقابات والغرف المهنية مدعوة، كل بحسب موقعها في مسار الترشيح والانتخاب، إلى تقديم كفاءات تحمل انشغالات المجالات والفئات التي تمثلها، وتملك القدرة على مناقشة التشريع ومراقبة العمل الحكومي. فجودة التمثيل تقتضي أن يكون الوصول إلى المؤسسة مرتبطاً بما يستطيع المرشح تقديمه داخلها.
وهنا يطــرح سؤال يستــحق نقاشاً صــريحاً : هـل أنشأت الأحــزاب مراكز وبرامج دائمة لتكوين أطـرها ومنتخبيها ؟ وهل تهــيئهم لفهم الــميزانيات والتخطيط الترابي وتقييم السياسات والإنصات للسكان؟ إن تزكية الكفاءات تحتاج إلى عمل مستمر لاكتشافها وتأهيلها، وإلى تكوين يسبق تحمل المسؤولية ويواكبه، حتى لا يجد المنتخب نفسه أمام صلاحيات وملفات لم يُعَدّ للتعامل معها.
وللمواطن موقع أساسي في هذه المعادلة. فهو الذي يصوّت ويختار من يمثله، ومن مسؤوليته أن يزن اختياره على أساس الكفاءة والنزاهة والبرنامج، ثم يتابع ويسائل. وهو أيضاً من يستفيد من المرافق والتجهيزات العمومية، والمحافظة عليها حماية لماله ولحق غيره فيها. فالاحتجاج على ضعف خدمة أو المطالبة بحق لا يبرران تخريبها؛ إذ يدفع المجتمع كلفة إصلاحها ويتضرر من توقفها. وتكتمل المشاركة حين يقترن الوعي بالحقوق بالمسؤولية عن الاختيار وعن الملك المشترك.
وقد ربط الخطاب الملكي بين التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج من جهة، والجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز من جهة أخرى. ويظهر هذا الترابط في التفاصيل: فالمشروع الاستثماري يحتاج إلى بنية تحتية وكفاءات وخدمات، والتجهيز العمومي يحتاج إلى أطر واعتمادات كي يشتغل. وحين يختل التنسيق، قد يكتمل البناء ويتأخر الانتفاع به.
من هنا جاء التشديد على التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، ونقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات. وجاء معه التأكيد على رفع العراقيل أمام مؤسسات الجهة، وتوضيح اختصاصاتها، وتعزيز مواردها.
وتكتسي آلـيات التنــسيق والتــعاقد بين الدولة والجهات أهمية عملية. ومــن شأن هذه الآلـيات أن توضّــح التزامات كل طرف، ومساهمته في التمويل، والمهام الموكولة إليه، وآجال الإنجاز.وحين تتضح هذه الأمور، يسهل علاج التعثر وتحديد المسؤوليات، ويقل تداخل الأدوار الذي يجعل من الصعب أحياناً معرفة من يملك الحسم.
ومع ذلك، لا يمكن إرجاع كل صعوبات التنمية الترابية إلى مركزية القرار. فقد يتأخر مشروع بسبب ضعف الدراسات أو نقص الخبرة أو سوء ترتيب الأولويات أو قصور في التدبير. لذلك لا يكفي نقل الصلاحيات، بل ينبغي مواكبته بتقوية قدرات المؤسسات الترابية، وبتقييم يفرّق بين نقص الوسائل وسوء استعمالها.
وتستحق الكفاءات عناية خاصة، لا سيما في المناطق التي تقل فيها الخبرات التقنية. فالتكوين المستمر، وتشكيل فرق مشتركة، وتشجيع الأطر على الاستقرار، كلها أمور تحسّن إعداد المشاريع ومتابعتها، وتعطي الجماعات محدودة الإمكانات فرصاً أكبر للاستفادة من التمويل والاستثمار.
ويبقى توزيع وسائل التنمية ومواردها داخل الجهة الواحدة سؤالاً يستحق المتابعة. فقد يقترب القرار من مركز الجهة، بينما تظل الجماعات البعيدة تعاني ما كانت تعانيه.
ولتقليص هذه الفوارق، يمكن اعتماد معايير معلنة لتوزيع الموارد تراعي حجم الخصاص وعدد السكان وصعوبة الوصول إلى الخدمات، مع إشراك الساكنة في تحديد الأولويات.