
الأحداث✍️ بقلم: ياسين المصلوحي
لا تنتهي الانتخابات بإعلان النتائج وتوزيع المقاعد، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى أكثر أهمية، تتعلق بقراءة الرسائل التي حملها سلوك الناخبين، وفهم التحولات التي طرأت على علاقة المواطن بالسياسة وصندوق الاقتراع. وإذا كانت نتائج الاستحقاقات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 قد أظهرت، في صورتها العامة، استمرار حضور مكونات الأغلبية الحكومية مع تغير نسبي في ترتيب القوى السياسية، إلى جانب تقدم عدد من أحزاب المعارضة، فإن النقاش الأهم لا ينبغي أن يتوقف عند الأرقام، بل عند الطريقة التي يتم بها تفسير اختيارات الناخبين.
ومن أكثر المظاهر إثارة للقلق بروز خطاب يقوم على الفرز الجغرافي والاجتماعي للناخبين، خصوصا حين يتم التعامل مع التصويت في المدن باعتباره تعبيرا عن الوعي السياسي، بينما ينظر إلى التصويت في العالم القروي باعتباره نتيجة للجهل أو التأثر أو الاستمالة. مثل هذا الخطاب لا يسيء فقط إلى الناخب القروي، بل يضعف المعنى الحقيقي للديمقراطية نفسها، لأن صندوق الاقتراع لا يميز بين صوت يأتي من مدينة كبرى وآخر يأتي من قرية نائية.
إن اختلاف نسب المشاركة بين المدن والبوادي لا يمكن اختزاله في مستوى الوعي السياسي. فالسلوك الانتخابي تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية وتنموية متعددة. الناخب في العالم القروي يعيش، في كثير من الحالات، علاقة مباشرة مع قضايا الأرض والماء والطرق والمسالك والصحة والتعليم وفرص الاستثمار والشغل، ولذلك قد تكون مشاركته الانتخابية مرتبطة برغبة واضحة في إيصال صوته والمطالبة بمشاريع وخدمات طال انتظارها.
في المقابل، قد يؤدي توفر جزء أكبر من الخدمات والبدائل لدى المواطن الحضري إلى تراجع الشعور بأن المشاركة الانتخابية ستغير بصورة مباشرة ظروفه اليومية، وهو ما يمكن أن يفسر، جزئيا، تفاوت الإقبال بين المجالين.
ومن هنا، فإن الأحزاب التي لم تتمكن من استقطاب الناخبين في بعض المناطق القروية مطالبة بطرح سؤال أكثر جدية على نفسها: هل نجحت في تقديم عرض سياسي وتنموي مقنع لهذه الفئات؟ وهل كانت حاضرة في قضاياها اليومية خارج مواسم الانتخابات؟
الديمقراطية لا تحتاج إلى مواطنين متشابهين في اختياراتهم، بل إلى مواطنين مختلفين يحظون بالاحترام نفسه. لذلك فإن تحويل الاختلاف الانتخابي إلى مناسبة للتبخيس أو التخوين أو التصنيف الجغرافي قد يوسع المسافة بين المواطن والسياسة، ويدفع فئات من الناخبين إلى العزوف بدل المشاركة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من صوّت لمن؟ بل: لماذا صوّت المواطن بهذه الطريقة؟ وما الذي ينتظره من السياسة؟ ففهم هذه الأسئلة هو المدخل الحقيقي لبناء ممارسة ديمقراطية أكثر نضجا، تحترم الاختلاف، وتربط السياسة بالتنمية، وتجعل من الانتخابات وسيلة للتعبير والمساءلة، لا مناسبة لإعادة إنتاج الانقسام بين المدينة والبادية.