
الأحداث نت : الرباط
المهدي العلمي الإدريسي يسلط الضوء على فنون الراندوري.. الدقة والسرعة والتحكم عنواناً لممارسة تقوم على التقنية والسلامة..
ليست المواجهة في رياضة النانبودو مجرد تبادل للهجمات والصدات، بل هي منظومة متكاملة من الحركة، والمراوغة، والدفاع، والسرعة، والتحكم. وفي قلب هذه المنظومة تبرز تقنية «الراندوري» باعتبارها واحدة من أهم المميزات التي تعكس خصوصية هذا الفن الدفاعي الياباني وفلسفة مؤسسه يوشيناو نانبو.
وفي هذا الإطار، يواصل المدرب المهدي العلمي الإدريسي، الحزام الأسود الدرجة السادسة دولياً ووطنياً، تقديم شروحات تقنية حول رياضة النانبودو، مسلطاً الضوء على أساليب الراندوري وقواعدها، ومبرزاً أهمية الجمع بين الفعالية التقنية والحفاظ على سلامة الممارسين والمتنافسين.
الراندوري.. مواجهة تقوم على الذكاء قبل القوة
يقوم الراندوري على التفاعل بين الهجوم والدفاع، لكنه يختلف في تفاصيله وفلسفته عن أنماط المواجهة المعروفة في بعض الفنون القتالية الأخرى. وإذا كان من الممكن مقارنته من حيث المبدأ بما يُعرف في رياضة الكاراتيه بـ«الكوميتي»، فإن الراندوري في النانبودو يعتمد على خصوصية تقنية تقوم على المراوغة وتغيير الاتجاه والتحكم في المسافة، قبل الانتقال إلى الدفاع أو تنفيذ التقنية المناسبة.
فالمدافع لا ينتظر الهجوم بشكل مباشر، وإنما يعمل على تفاديه من خلال الحركة والمراوغة، ثم يستثمر اللحظة المناسبة لتنفيذ تقنية دفاعية دقيقة. وهنا تتحول المواجهة من مجرد قوة بدنية إلى اختبار للتركيز وسرعة رد الفعل وحسن اختيار التقنية.
المراوغة.. مفتاح الانتقال من الدفاع إلى السيطرة
تحتل المراوغة مكانة أساسية في تقنيات الراندوري، إذ يعتمد المدافع في أحد أساليبه على الحركة الجانبية لتفادي الهجوم والابتعاد عن خط المواجهة المباشرة، قبل تنفيذ التقنية الدفاعية الملائمة، سواء كان الهجوم موجهاً باليد أو بالرجل.
ويمنح هذا الأسلوب الممارس مساحة أكبر للتحكم في الحركة والمسافة، كما يفرض عليه سرعة في اتخاذ القرار ودقة في اختيار التوقيت المناسب.
وفي أسلوب آخر، يتحرك المدافع إلى الخلف لتفادي الهجوم، قبل أن يعاود التقدم لتنفيذ الصد والدفاع، وقد تتطور العملية إلى إسقاط المهاجم وتثبيته وفق تقنيات محددة.
وهنا تتجلى إحدى الخصائص الأساسية للنانبودو: الاستفادة من حركة الخصم بدلاً من الاعتماد على القوة وحدها.
سبع تقنيات للهجوم.. ومئات التقنيات للدفاع
ولا تقتصر خصوصية الراندوري على تنوع أساليب الحركة، بل تمتد إلى تعدد تقنياته الهجومية والدفاعية.
ففي جانب الهجوم، يعتمد الراندوري على سبع تقنيات أساسية تُنفذ باليد والرجل بشكل متوازٍ، وتُعرف باسم «راندوري توري».
أما في الجانب الدفاعي، فتتجاوز التقنيات مئتي تقنية، بحسب أنواع الراندوري وأساليبه، وهو ما يعكس غنى هذا الفن وتنوع إمكاناته التقنية.
وتشمل هذه التقنيات الدفاع المباشر بعد المراوغة، والتقنيات الدائرية باليد، والتقنيات الدائرية بالرجل إلى الأعلى، فضلاً عن تقنيات الكنس والإسقاط.
كما تتضمن منظومة الراندوري تقنيات تسمح بإسقاط المهاجم أرضاً وتثبيته بواسطة أساليب خاصة، إلى جانب اللكمات السريعة التي تُنفذ بأسلوب تقني ومدروس يراعي سلامة الطرف الآخر.
«جو راندوري».. التقنية في مواجهة حقيقية
تجد هذه التقنيات مجالها التطبيقي في نزالات النانبودو المعروفة باسم «جو راندوري»، حيث ينتقل الممارس من التدريب على التقنيات إلى توظيفها في مواجهة فعلية، ضمن قواعد وضوابط محددة.
ومع ذلك، فإن طبيعة النزال لا تعني إطلاق العنان للقوة، إذ يتم منع بعض التقنيات الخطيرة، في إطار فلسفة تجعل سلامة الممارس وشريكه أولوية أساسية.
وهذا ما يجعل النانبودو مختلفاً في تعامله مع مفهوم المواجهة؛ فالمطلوب ليس إلحاق الضرر بالخصم، وإنما إثبات القدرة على التحكم في الحركة، واختيار التقنية المناسبة، وتنفيذها في الوقت والمكان المناسبين.
التقنية قبل القوة.. والسلامة فوق كل اعتبار
من خلال الراندوري، تتضح فلسفة تقوم على أن إتقان الفنون الدفاعية لا يقاس بالقوة البدنية وحدها، وإنما بمدى قدرة الممارس على التحكم في جسده وحركته ورد فعله.
فالدقة، والسرعة، والمرونة، وحسن التوقيت، والقدرة على المراوغة، كلها عناصر تتكامل لصناعة الممارس القادر على التعامل مع الهجوم بطريقة فعالة وآمنة.
ومن هذا المنطلق، يشكل الراندوري مدرسة حقيقية في الانضباط والتحكم والوعي بالحركة، حيث يتعلم الممارس كيف يدافع عن نفسه دون أن يفقد السيطرة على التقنية أو يعرض شريكه للخطر.
مدرسة يوشيناو نانبو.. فلسفة تتجاوز حدود المواجهة
وفي المحصلة، لا يقدم الراندوري في النانبودو مجرد مجموعة من تقنيات الهجوم والدفاع، بل يعكس فلسفة متكاملة تقوم على التوازن بين الحركة والعقل، وبين القوة والتحكم، وبين المواجهة والسلامة.
ومن خلال شروحات المدرب المهدي العلمي الإدريسي، تتضح أهمية هذه التقنيات في فهم خصوصية النانبودو، باعتباره فناً دفاعياً يجمع بين المراوغة والصد والإسقاط والهجوم، في إطار تقني يضع سلامة الممارسين في مقدمة الأولويات.
وهكذا يبقى «الراندوري» أكثر من مجرد نزال؛ إنه مساحة لاختبار التقنية والسرعة والتركيز والقدرة على التحكم، وتجسيد عملي لفلسفة مدرسة يوشيناو نانبو التي تجعل من الحركة وسيلة للدفاع، ومن التقنية طريقاً للإتقان، ومن السلامة أساساً للممارسة.
