ذ. عبد الصمد شريف، عميد الكلية متعددة التخصصات بآسفي، حول اعتماد القانون 59.24: “التوقيت الميسر لا يتعارض مع مجانية التعليم”

الأحداث✍️حاوره: عبد اللطيف أبوربيعة
أثار مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الذي اعتمدته الحكومة وصادق عليه مجلس النواب بالأغلبية، نقاشًا واسعًا في الأوساط الجامعية والمجتمعية، بين مواقف رافضة وأخرى داعمة لمضامينه.
وأكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عز الدين الميداوي، خلال جلسة المصادقة على المشروع، أن هذا الأخير أُعد في إطار مقاربة تشاركية ومسؤولة، تروم إرساء أسس جامعة المستقبل، من خلال تعزيز جودة التكوين، وتطوير البحث العلمي، وتحسين حكامة المؤسسات الجامعية، بما يتيح مواكبة التحولات والرهانات الوطنية والدولية، والارتقاء بالجامعة المغربية للاضطلاع بأدوارها الاستراتيجية في مسار التنمية الشاملة والمستدامة.
ولتسليط مزيد من الضوء على هذا القانون، وما يمكن أن يترتب عنه من تحولات في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، استضافت جريدة «الأحداث.نت» الدكتور عبد الصمد شريف، عميد الكلية متعددة التخصصات بآسفي، في هذا الحوار:
الأحداث.نت: بعيدًا عن النقاشات والمزايدات، ما هي أبرز المخرجات والآثار المترتبة عن اعتماد القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي؟
ذ. عبد الصمد شريف: أعتقد أن جزءًا كبيرًا من النقاش الذي أثير حول إقرار رسوم متابعة الدراسة في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه لفائدة الأجراء في القطاع الخاص، وموظفي ومستخدمي القطاع العام، انطلق من خلط بين وضعيات مختلفة، وأدى إلى نقاش غير دقيق حول مجانية التعليم العالي العمومي.
فقد ذهب البعض، بشكل متسرع، إلى اعتبار اعتماد هذه الرسوم تراجعًا عن مبدأ مجانية التعليم. والحال أن هذا الاستنتاج لا يستند، في كثير من الأحيان، إلى قراءة دقيقة للإطار القانوني والتنظيمي للتكوين الجامعي، ولا إلى التمييز الضروري بين التكوين الأساسي بالتوقيت العادي والتكوين بالتوقيت الميسر.
ولتوضيح الصورة، ينبغي التأكيد منذ البداية على حقيقة أساسية: الطالب الذي يتابع تكوينه الأساسي في الجامعة العمومية وفق التوقيت العادي يستمر في الاستفادة من مجانية التعليم. فالرسوم المعنية لم تلغ هذه المجانية ولم تستبدلها.
أما التوقيت الميسر، فهو موجه إلى فئة توجد في وضعية مختلفة، ويتعلق الأمر أساسًا بأشخاص مندمجين أصلًا في الحياة المهنية، سواء كانوا موظفين أو مستخدمين أو أجراء، ويرغبون، بعد دخولهم سوق الشغل، في استئناف مسارهم الجامعي أو تطوير مؤهلاتهم بالتوازي مع نشاطهم المهني.
وهنا ننتقل من منطق التكوين الأساسي العادي إلى منطق التكوين مدى الحياة، الذي يتيح للإنسان العودة إلى الجامعة من أجل تطوير معارفه ومهاراته ومؤهلاته، سواء لأهداف مهنية أو علمية أو شخصية.
الأحداث.نت: ماذا يعني اعتماد الحكومة للقانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي باعتباره خيارًا لتطوير منظومة التعليم العالي؟
ذ. عبد الصمد شريف: لفهم هذا الاختيار، يكفي أن نطرح سؤالًا بسيطًا: كيف يمكن لشخص أن يكون موظفًا وطالبًا في الوقت نفسه؟
من الناحية القانونية والمهنية، يتعين على الموظف أن يكون حاضرًا في مقر عمله خلال أوقات العمل الرسمية، والأمر نفسه ينطبق على أطر ومستخدمي القطاع الخاص. وفي المقابل، يتعين على الطالب الحضور إلى الجامعة، والمشاركة في المحاضرات والأشغال التوجيهية والتأطيرية والأنشطة العلمية التي يتطلبها تكوينه. فكيف يمكن التوفيق بين الالتزامين إذا صادفا التوقيت نفسه؟
الجواب واضح: الشخص الواحد لا يستطيع أن يكون في مكانين في الوقت ذاته. فإذا كان الموظف مطالبًا بالحضور إلى مكتبه في العاشرة صباحًا، وكانت محاضرته الجامعية تبدأ في الساعة نفسها، فإن وجوده في العمل يعني بالضرورة غيابه عن الجامعة، والعكس صحيح.
لذلك، فإن تسجيل المهنيين في تكوين جامعي بالتوقيت العادي، أي خلال ساعات العمل النظامية، قد ينتج عنه تعارض موضوعي بين زمن مهني مؤدى عنه وزمن جامعي يتطلب بدوره الحضور والتفاعل والتحصيل.
ومن هنا تأتي أهمية التوقيت الميسر، باعتباره صيغة تنظيمية تسعى إلى معالجة هذا التعارض، وليس إلى التخفيف من متطلبات التكوين أو الشهادة.
الأحداث.نت: وهل يتعين على الحكومة تمويل التكوين مدى الحياة بالطريقة نفسها التي تمول بها التكوين الأساسي؟
ذ. عبد الصمد شريف: هذا سؤال مشروع وينبغي تناوله بكل تجرد.
التكوين الأساسي المجاني يؤدي وظيفة اجتماعية واضحة، تتمثل في تمكين الطلبة من الاستفادة من التعليم الجامعي والولوج إلى الحياة المهنية دون أن تشكل القدرة المالية عائقًا أمام استفادتهم من الجامعة العمومية.
لكن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بشخص مندمج أصلًا في سوق الشغل، ويتوفر على دخل، ويرغب في العودة إلى الجامعة بالتوازي مع نشاطه المهني من أجل تطوير مؤهلاته أو الحصول على شهادة إضافية.
هنا لا يتعلق الأمر بحرمانه من الدراسة، بل على العكس، المطلوب هو توفير صيغة تسمح له بالدراسة دون أن تتحول هذه الدراسة إلى غياب منتظم عن العمل، ودون أن يتحول العمل بدوره إلى مبرر دائم للغياب عن الجامعة.
وهذه تحديدًا هي المساحة التي يأتي التوقيت الميسر لتنظيمها.
الأحداث.نت: قبل القانون رقم 59.24، تبنت الجامعات التكوين المستمر استجابة للطلب المتزايد من الموظفين والمهنيين والأجراء، مقابل رسوم. ماذا عن هذه التجربة؟
ذ. عبد الصمد شريف: قبل اعتماد هذه الصيغة، حاولت الجامعات الاستجابة إلى الطلب المتزايد للموظفين والمستخدمين والأجراء الراغبين في استكمال تكوينهم، وذلك من خلال عروض التكوين المستمر.
وكانت الفكرة تبدو عملية: تكوين في أوقات ملائمة للمهنيين، مقابل رسوم، ينتهي بالحصول على شهادة صادرة عن الجامعة.
لكن الإشكال لم يكن، في كثير من الحالات، في التسجيل أو الأداء أو الدراسة أو حتى اجتياز الامتحانات؛ وإنما كان يظهر بعد الحصول على الشهادة.
فقد يؤدي الشخص مبالغ مالية مهمة، ويدرس سنتين أو ثلاثًا أو أكثر، ويحضر الدروس، وينجز البحوث، ويجتاز الاختبارات، ثم يحصل في النهاية على شهادة تحمل اسم الجامعة العمومية وشعارها وتوقيعات مسؤوليها.
غير أن الإشكال قد يظهر عندما يرغب في استعمال هذه الشهادة في مسار أكاديمي أو مهني آخر. فقد يكتشف أنها لا تتمتع، لمجرد صدورها عن جامعة عمومية، بصفة الشهادة الوطنية، ولا تخوله بالضرورة متابعة الدراسة في السلك الموالي بالشروط نفسها المقررة لحاملي الدبلومات الوطنية.
وقد يظهر الإشكال كذلك عند الترشح لبعض المباريات التي تشترط شهادة وطنية، أو عند الرغبة في ترتيب آثار مهنية أو إدارية يشترط القانون أو النظام الأساسي للاستفادة منها الحصول على شهادة وطنية.
وهكذا، كان الفرق بين الشهادتين لا يظهر دائمًا عند التسجيل أو أثناء الدراسة أو حتى عند التخرج، وإنما قد يظهر عند أول محاولة فعلية لاستعمال الشهادة.
وهنا تكمن المفارقة: قد يقول المواطن للجامعة: درست لديكم، وأديت الرسوم، واجتزت الامتحانات، وحصلت على شهادة تحمل اسم جامعتكم وتوقيعات مسؤوليها؛ فلماذا لا أستطيع متابعة دراستي بها؟
والجواب أن صدور شهادة عن جامعة عمومية لا يجعلها، بمجرد ذلك، دبلومًا وطنيًا. فشهادات التكوين المستمر لها وجودها القانوني، لكنها لا تتمتع تلقائيًا بصفة الشهادات الوطنية ولا تنتج بالضرورة الآثار القانونية والأكاديمية والمهنية المترتبة عن هذه الأخيرة.
وقد أدى هذا الالتباس، في بعض الحالات، إلى نشوء منازعات إدارية وقضائية بين حاملي بعض هذه الشهادات والجامعات أو الإدارات العمومية.
الأحداث.نت: ماذا كان يحصل عليه الموظف عندما كان يؤدي الرسوم؟ وماذا سيحصل عليه الآن؟
ذ. عبد الصمد شريف: هنا يوجد، في نظري، جوهر الإصلاح.
إذا كان المهني يرغب في استكمال دراسته، ومستعدًا للمساهمة في تكلفة تكوين ينظم في أوقات تتلاءم مع التزاماته المهنية، وإذا كانت الجامعة قادرة على توفير هذا التكوين، فما المبرر للاستمرار في حصره في مسار ينتهي بشهادة محدودة الآثار؟
القانون رقم 59.24 حاول معالجة هذه الوضعية من خلال اعتماد التكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر، بما يتيح للموظفين والمستخدمين والأجراء استكمال تكوينهم والحصول على شهادات وطنية متى استوفوا الشروط الأكاديمية والقانونية المطلوبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزاماتهم المهنية ومتطلبات التكوين الجامعي.
إذن، المشرع لم يخترع مبدأ الأداء؛ فالأداء كان موجودًا أصلًا في عدد من عروض التكوين المستمر، وأحيانًا بمبالغ مهمة.
الجديد هو أن المهني أصبح أمام مسار أكثر وضوحًا: تكوين أساسي منظم وفق توقيت ميسر، ينتهي بشهادة وطنية متى تم استيفاء شروطها.
وهنا يتغير جوهر العلاقة: بدل أن يؤدي الشخص مقابل تكوين مستمر، ثم يكتشف بعد التخرج حدود القيمة القانونية للشهادة، يصبح على علم منذ البداية بطبيعة التكوين الذي سيلجه، وبطبيعة الشهادة التي سيحصل عليها وآثارها القانونية.
الأحداث.نت: أي النموذجين أكثر حماية للطالب وأيهما أكثر وضوحًا؟
ذ. عبد الصمد شريف: في النموذج السابق، كان المهني يؤدي رسومًا، ويدرس، ويحصل على شهادة خاصة بالجامعة، ثم قد يكتشف لاحقًا حدود استعمالها.
أما في النظام الجديد، فيؤدي رسومًا مرتبطة بتنظيم التكوين وفق التوقيت الميسر، ويتابع تكوينًا أساسيًا، ويحصل، عند استيفاء شروط النجاح، على شهادة وطنية منتجة للآثار القانونية المقررة لها.
وهذا يوضح أن الرسوم ليست ثمنًا للدبلوم، وإنما ترتبط بتنظيم نمط خاص من التكوين لفائدة فئة تجمع بين العمل والدراسة.
فالجامعة التي تفتح أبوابها مساءً أو خلال نهاية الأسبوع تحتاج إلى تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، وتشغيل القاعات والمختبرات والمرافق، وتنظيم التأطير والامتحانات والخدمات الإدارية والمعلوماتية واللوجستيكية.
لذلك، ينبغي فهم الأداء في سياقه الصحيح، وعدم اختزال النقاش كله في مسألة “الأداء”
فالطالب الذي يتابع تكوينه الأساسي بالتوقيت العادي يستمر في الاستفادة من مجانية التعليم. أما المهني الذي يرغب في الحفاظ على عمله ومتابعة دراسته بالتوازي معه، فيستفيد من تنظيم زمني خاص يسمح له بالجمع بين الالتزامين.
إذن، نحن أمام وضعيتين مختلفتين، لكل واحدة منهما منطقها وشروطها التنظيمية، وليس أمام ثنائية مبسطة بين «تعليم مجاني» و«تعليم مؤدى عنه».
كما أن حصول الإنسان على وظيفة لا ينبغي أن يعني، في الأصل، انتهاء علاقته بالجامعة. فالوظيفة ليست نهاية المسار الأكاديمي، والجامعة ينبغي أن تظل فضاءً مفتوحًا للتعلم والتطوير وتجديد المعارف.
الأحداث.نت: بما أن المعارف تتغير والمهن تتطور معها، ألا ترون أن القانون الجديد يمكن أن يسهم في تطوير معارف الموظف وتسليحه بمهارات جديدة ومعاصرة، خاصة في عصر الرقمنة؟
ذ. عبد الصمد شريف: بالتأكيد. فقد يحتاج موظف درس الاقتصاد قبل خمسة عشر عامًا، مثلًا، إلى تحيين معارفه وتطويرها في مجالات كالمالية أو الرقمنة. وقد يجد رجل القانون نفسه في حاجة إلى دراسة مجالات لم تكن موجودة أصلًا عندما حصل على شهادته.
وقد يرغب حامل الإجازة في متابعة دراسته للحصول على الماستر، أو قد يطمح حامل الماستر، بعد سنوات من الخبرة المهنية، إلى العودة إلى الجامعة وإنجاز بحث لنيل الدكتوراه.
بل إن العودة إلى الجامعة بعد سنوات من الممارسة المهنية قد تكون، في كثير من الأحيان، أكثر فائدة من الدراسة الأولى؛ لأن المهني يعود إليها محملًا بتجارب ميدانية وأسئلة واقعية وإشكالات حقيقية استقاها من ممارسته اليومية.
وهذه تحديدًا هي فلسفة التكوين مدى الحياة: أن تظل الجامعة فضاءً مفتوحًا للتعلم والتطور وتجديد المعارف في مختلف مراحل الحياة المهنية.
لكن الاعتراف بحق الإنسان في العودة إلى الجامعة لا يعني أن نطلب من الزمن أن يتوقف خلال ساعات العمل، ولا يعني أن تتحمل الإدارة أو المقاولة غيابه بصورة منتظمة. كما لا يعني أن تمنحه الجامعة شهادة دون استيفاء متطلباتها الأكاديمية والتكوينية.
والحل، في تقديري، واضح: العمل له وقته، والدراسة لها وقتها؛ والمرونة ينبغي أن تكون في التوقيت، لا في قيمة الشهادة ولا في معايير استحقاقها.
فالتكوين مدى الحياة لا يعني تخفيف متطلبات الشهادة، وإنما يعني إتاحة فرص جديدة للتعلم والتطور أمام من يرغب في مواصلة مساره العلمي، مع الحفاظ على جودة التكوين ومصداقية الشهادات الجامعية.
الأحداث.نت: ألا ترون أن نجاح التوقيت الميسر يبقى رهينًا بطريقة تنزيله؟
ذ. عبد الصمد شريف: لا شك في ذلك. فالفرق بين التكوين بالتوقيت العادي والتكوين بالتوقيت الميسر ينبغي أن يكون في زمن تنظيم الدراسة، لا في مستوى المتطلبات اللازمة للحصول على الشهادة.
فالحضور والتأطير والتقييم والامتحانات والحجم الزمني ومتطلبات البحث العلمي، كلها عناصر ينبغي أن تظل خاضعة للصرامة الأكاديمية التي تقتضيها الشهادة الوطنية.
بعبارة بسيطة: التوقيت الميسر يعني أن الجامعة غيّرت وقت الدراسة، وليس قيمة الدبلوم.
أما بالنسبة إلى البحث العلمي، فهناك إمكانات واعدة يمكن استثمارها مستقبلًا. فقد يكون البحث الذي ينجزه موظف أو إطار في سلك الدكتوراه مرتبطًا بإشكالية تواجه الإدارة أو المؤسسة أو المقاولة التي يعمل بها، وقد تكون نتائجه قابلة للتوظيف في تطوير طرق اشتغالها، أو تحسين مردوديتها، أو معالجة مشكلة تقنية أو قانونية أو تدبيرية.
وفي الحالات التي يسمح بها الإطار القانوني والمالي المعمول به، يمكن تصور مساهمة الإدارات والمؤسسات والمقاولات في تمويل مشاريع بحثية تخدم حاجاتها، بدل النظر إلى الدكتوراه دائمًا باعتبارها مشروعًا فرديًا منفصلًا عن المؤسسة التي يعمل فيها الباحث.
وهنا يتحول التكوين مدى الحياة من منفعة فردية إلى استثمار يمكن أن تستفيد منه جهة العمل والمجتمع على حد سواء.
الأحداث.نت: في ختام هذا الحوار، ما الذي تغير إذن مع القانون رقم 59.24؟
ذ. عبد الصمد شريف: قبل القانون رقم 59.24، كان المهني الراغب في استكمال دراسته يجد نفسه، في حالات كثيرة، أمام خيارين، لكل واحد منهما إشكاله.
إما أن يلج تكوينًا جامعيًا بالتوقيت العادي، أي خلال ساعات العمل، بما يخلق تعارضًا بين واجب الحضور إلى مقر العمل وواجب الحضور إلى الجامعة.
وإما أن يلج تكوينًا مستمرًا مؤدى عنه، يكون ملائمًا من حيث التوقيت، لكنه قد ينتهي بشهادة لا تتمتع بصفة الشهادة الوطنية ولا تنتج الآثار القانونية نفسها.
في الحالة الأولى، كانت المشكلة الأساسية هي التوقيت، وفي الثانية كانت المشكلة مرتبطة بـ طبيعة الشهادة وآثارها.
أما التوقيت الميسر، فيسعى إلى الجمع بين عناصر كانت متفرقة: توقيت متوافق مع الالتزامات المهنية، وتكوين جامعي منظم، وشهادة وطنية، مقابل رسوم مرتبطة بالتنظيم الخاص لهذا التكوين.
لذلك، فإن القول إن الموظف «أصبح يؤدي بعد أن كان يدرس مجانًا» لا يعكس الصورة كاملة. فالواقع أن الموظفين والمستخدمين والأجراء كانوا يؤدون، في عدد من عروض التكوين المستمر، رسومًا قد تكون مهمة، وكانوا يدرسون سنة أو سنتين أو ثلاثًا، ويحصلون في النهاية على شهادة.
لكن الإشكال كان يظهر أحيانًا عندما يريد صاحب الشهادة أن يرتب عليها أثرًا أكاديميًا أو مهنيًا يتجاوز مجرد الاحتفاظ بها.
ومن هنا، فإن القانون الجديد حاول، في نهاية المطاف، نقل السؤال من نهاية المسار إلى بدايته.
فبدل أن يقضي المهني سنوات في الدراسة ثم يكتشف بعد التخرج أنه بحاجة إلى البحث عن القيمة القانونية للشهادة التي حصل عليها، يصبح بإمكانه، منذ لحظة التسجيل، أن يعرف طبيعة التكوين الذي سيلجه، وطبيعة الشهادة التي سيحصل عليها، والآثار القانونية والأكاديمية والمهنية المترتبة عنها.
وهذا، بعيدًا عن المزايدات والاختزالات، هو أحد أهم مبررات اعتماد التكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر.
الخلاصة
إن التكوين مدى الحياة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تراجعًا عن مجانية التعليم، ولا باعتباره تخفيفًا لمعايير الشهادات الجامعية، وإنما باعتباره آلية لتوسيع فرص الولوج إلى الجامعة أمام فئة مندمجة أصلًا في الحياة المهنية.
فالرهان الحقيقي ليس فقط أن نفتح أبواب الجامعة أمام الموظف والأجير والمهني، وإنما أن نوفر له تكوينًا ذا جودة، وتوقيتًا ملائمًا، ومسارًا أكاديميًا واضحًا، وشهادة ذات قيمة وطنية، مع الحفاظ على الصرامة العلمية والأكاديمية.
وبذلك تصبح المرونة في الزمن وسيلة لتوسيع فرص التعلم، دون أن تتحول إلى مرونة في المعايير أو في قيمة الشهادة.