
الأحداث نت – م -الإدريسي
لم يعد احتلال الملك العمومي بمدينة سلا مجرد مظهر عابر، بل تحول إلى ظاهرة تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، وتفرض نفسها كواحدة من أبرز الإشكالات التي تستدعي تدخلاً حازماً ومسؤولاً. فبين حق المواطن في العمل وحقه في التنقل الآمن، يظل القانون هو الفيصل الذي يضمن التوازن ويحفظ حقوق الجميع.
وفي عدد من أحياء المدينة، وفي مقدمتها حي قرية أولاد موسى – احصين، تكشف جولة قصيرة حجم الفوضى التي باتت تطبع المشهد العام. أرصفة تحولت إلى فضاءات للبيع، وملتقيات طرق أصبحت تعاني من الاكتظاظ، ومواقف حافلات النقل الحضري لم تسلم هي الأخرى من الاحتلال، حتى أصبح الراجل مضطراً إلى السير وسط الطريق، معرضاً نفسه وأسرته لخطر حوادث السير.
ولم تسلم حتى محيط المساجد من هذه الظاهرة، حيث تشهد بعض المداخل والساحات المجاورة دور العبادة انتشاراً عشوائياً للباعة، مما يعرقل حركة المصلين، خاصة خلال صلوات الجمعة والأعياد، ويصعب مرور كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء والأطفال، في مشهد لا ينسجم مع قدسية المكان ولا مع ضرورة الحفاظ على النظام العام.
ولا يقتصر الأمر على الباعة الجائلين، بل إن بعض المقاهي والمحلات التجارية توسعت على حساب الأرصفة، بل وحتى أجزاء من الشارع العام، في تجاوز يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام الضوابط القانونية، وحول نجاعة المراقبة والتتبع.
إن الدفاع عن حق المواطن في كسب قوته بالحلال أمر لا يختلف عليه أحد، لكن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للفوضى أو للمساس بحقوق الآخرين. فالمطلوب ليس محاربة الباعة، وإنما تنظيمهم، وتوفير فضاءات لائقة تضمن لهم ممارسة نشاطهم في ظروف تحفظ كرامتهم، وفي الوقت نفسه تحمي حق المواطنين في استعمال الفضاء العمومي.
لقد آن الأوان لفتح هذا الملف بجرأة ومسؤولية، بعيداً عن الحلول المؤقتة أو التدخلات الموسمية، فمدينة سلا تستحق شوارع منظمة، وأرصفة مخصصة للراجلين، ومواقف للنقل الحضري خالية من العشوائية، ومحيط مساجد يليق بحرمتها، وفضاءً عمومياً يخضع للقانون وحده.
إن استعادة هيبة القانون لا تعني التضييق على البسطاء، بل تعني تحقيق العدالة بين الجميع، فلا امتياز لأحد على حساب حق المواطن، ولا تساهل مع كل من يحول الملك العمومي إلى ملك خاص.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن السلاوي جوابه: إلى متى سيظل احتلال الملك العمومي عنواناً للفوضى في بعض أحياء المدينة؟ ومتى تتحول النصوص القانونية إلى واقع ينعكس على حياة الناس ويحفظ كرامة الجميع؟
إن احترام الملك العمومي ليس مسؤولية السلطات وحدها، بل هو مسؤولية جماعية، تبدأ من احترام القانون، وتنتهي بمدينة منظمة، تحفظ كرامة البائع، وتصون حق المواطن، وتليق بتاريخ سلا ومكانتها.