سلا بين الأمس واليوم: قصة مدينة تعيد بناء نفسها - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الجمعة, يوليو 24, 2026
مدونات الأحداث

سلا بين الأمس واليوم: قصة مدينة تعيد بناء نفسها

الأحداث نت – م- ع- الإدريسي

تُعد سلا من أعرق المدن المغربية، إذ تمتد جذورها التاريخية إلى قرون طويلة، وشكلت عبر مختلف المراحل محطة مهمة على ضفاف نهر أبي رقراق إلى جانب مدينة الرباط. وقد عرفت المدينة خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة شملت مختلف المجالات، من العمران والبنيات التحتية إلى النقل الحديث والمنشآت الرياضية والإدارية والأمنية، فضلاً عن النمو الديمغرافي المتزايد الذي جعلها من أكبر المدن المغربية وأكثرها حيوية.
في الماضي، كانت سلا مدينة ذات طابع تقليدي يغلب عليه النشاط التجاري والحرفي المرتبط بالمدينة العتيقة والأسواق الشعبية. وتميز عمرانها بالأزقة الضيقة والمنازل التقليدية والأسوار التاريخية التي تعكس عمق الحضارة المغربية الإسلامية. كما اشتهرت بموقعها الاستراتيجي على ضفاف نهر أبي رقراق وبقربها من العاصمة الرباط، مما منحها مكانة اقتصادية وثقافية مهمة. غير أن البنيات التحتية والتجهيزات العمومية كانت محدودة مقارنة بما تعرفه المدينة اليوم من تطور وتوسع.
ومع بداية الألفية الثالثة، شهدت سلا طفرة عمرانية وتنموية كبيرة تمثلت في توسع الأحياء السكنية الحديثة وظهور مشاريع كبرى ساهمت في تغيير ملامح المدينة. فقد تم إنشاء طرق وشوارع واسعة وقناطر حديثة تربطها بالرباط، إلى جانب تطوير شبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل، مما ساهم في تحسين ظروف عيش السكان وتعزيز جاذبية المدينة للاستثمار والسكن.
كما استفادت سلا من إدخال وسائل النقل الحديثة، وعلى رأسها ترامواي الرباط–سلا، الذي شكل نقلة نوعية في مجال التنقل الحضري. فقد ساهم هذا المشروع في تسهيل حركة المواطنين بين سلا والرباط، وتقليص مدة التنقل والازدحام المروري، فضلاً عن توفير وسيلة نقل عصرية وآمنة وصديقة للبيئة. وأصبح الترامواي أحد أبرز معالم التنمية الحضرية بالمدينة، وساهم في تعزيز اندماجها ضمن المجال الحضري للعاصمة.
وعلى المستوى السياحي، شهدت المدينة تطوراً ملحوظاً من خلال إنشاء وحدات فندقية مصنفة ومرافق متنوعة حديثة، أهمها برج محمد السادس، ساهمت في تنشيط الحركة السياحية وتعزيز جاذبية المدينة. كما استفادت من مشروع تهيئة ضفتي نهر أبي رقراق الذي حول هذه المنطقة إلى فضاء حضري وسياحي متميز. وأصبح كورنيش وضفاف أبي رقراق وجهة مفضلة للسكان والزوار على حد سواء، حيث يوفر فضاءات للنزهة والترفيه وممارسة الرياضة والاستمتاع بمناظر طبيعية خلابة تجمع بين جمال النهر وسحر المحيط الأطلسي. وقد أضفت المساحات الخضراء والإنارة العصرية والمرافق الترفيهية بعداً جمالياً وحضارياً جديداً يعكس التحول الذي عرفته المدينة خلال السنوات الأخيرة.
وعلى مستوى التجهيزات الرياضية، عرفت سلا إنشاء وتأهيل العديد من الملاعب والقاعات الرياضية وملاعب القرب، مما أتاح للشباب فضاءات مناسبة لممارسة الرياضة وتنمية المواهب. كما شهدت المرافق الإدارية تطوراً ملحوظاً من خلال بناء مقرات حديثة للإدارات العمومية وتقريب الخدمات من المواطنين، في حين تم تعزيز البنية الأمنية بإنشاء مراكز ومقرات جديدة ساهمت في تحسين جودة الخدمات الأمنية والحفاظ على النظام العام.
ومن أبرز التحولات التي عرفتها سلا النمو الديمغرافي المتسارع، حيث ارتفع عدد السكان بشكل كبير نتيجة التوسع العمراني والهجرة من المناطق المجاورة. وقد أدى هذا النمو إلى زيادة الطلب على السكن والتعليم والصحة والنقل والخدمات الأساسية، مما دفع السلطات إلى إطلاق برامج ومشاريع تنموية لمواكبة هذه التحولات وتحسين جودة الحياة داخل المدينة.
واليوم، أصبحت سلا مدينة حديثة تجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر، حيث حافظت على تراثها التاريخي والثقافي العريق، وفي الوقت نفسه استفادت من مشاريع تنموية كبرى جعلتها قطباً حضرياً مهماً ضمن جهة الرباط–سلا–القنيطرة. وتواصل المدينة مسارها التنموي من خلال تطوير البنيات التحتية وتوسيع شبكة النقل وتحسين الخدمات العمومية وتعزيز جاذبيتها السياحية، بما يعزز مكانتها الاقتصادية والاجتماعية ويؤهلها لمواجهة تحديات المستقبل.
وخلاصة القول، فإن سلا تمثل نموذجاً واضحاً للتحول الحضري الذي عرفه المغرب خلال العقود الأخيرة. فقد انتقلت من مدينة تاريخية ذات إمكانيات محدودة إلى مدينة عصرية تتوفر على بنية تحتية متطورة، ووسائل نقل حديثة، ومرافق سياحية متنامية، ومنشآت رياضية وإدارية وأمنية متقدمة. كما أصبحت ضفاف أبي رقراق رمزاً لهذا التحول بما توفره من فضاءات تجمع بين الطبيعة والجمال والترفيه. وهكذا استطاعت سلا أن تجمع بين عبق التاريخ وآفاق التنمية الحديثة، لتؤكد مكانتها كإحدى أهم المدن المغربية الصاعدة نحو المستقبل.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: