السخرية من المعلم سخرية من واقع و من مستقبل بلد بأكمله - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
السبت, أكتوبر 10, 2026
الأحداث المحلية

السخرية من المعلم سخرية من واقع و من مستقبل بلد بأكمله

الأحداث بقلم✍️ محمد اعويفية

المشكلة ليست في قول الحقيقة، ولا في صدق الأستاذ، ولا في وفاءه لرسالته؛ المشكلة الحقيقية في منظومة أخلاق وقيم أصبحت تربي بعض التلاميذ على الاستخفاف بكل سلطة كانت تربوية أو إدارية ، وعلى الاعتقاد بأن الفشل الدراسي يمكن تعويضه بالتطاول والسفالة و بالوقاحة ، كالتي رأيناها من هذا المعتوه تجاه معلمه السابق.

المعلم الحقيقي لا يقيس نجاحه بردود أفعال ممن لم يدرك ويستسغ بعد معنى النجاح الحقيقي.
الأستاذ يزرع، ومن الطبيعي أن تكون هناك بعض البذور المسوسة الفاسدة التي لا تنبت مهما قلب التربة ومهما جعل فيها من دوبال… لكن هذا لا يجعله يشك إطلاقا في قيمة البذور الأخرى ولا في شرف الكد والتعب في عملية الزرع ابتغاء مرضاة الله تعالى ولا شيء غيرها.

الاستهزاء من المعلم لا يدل على سقوط المعلم وحده بقدر ما يدل على سقوط منطق القيم، وتهاوي عمل كل المتدخلين والشركاء في بناء المجتمع.

ومع كل ذلك، يبقى المعلم أقوى وآخر قلعة صامدة تقاوم الانحدار والتردي والسفالة، لأنه يعرف أن مهنة التعليم ليست صفقة نجاحها رهين بمن يدفع أكثر، بل رسالة نبيلة في معناها ومراميها .

من يستهزئ اليوم فقط لأنه صار يكسب المال من تجارة ما، ويركب سيارة لا يركبها معلمه، قد يفهم غدا أنه أخطأ… وقد يبقى في غيه ولا يفهم أبدا؛ لكن الأستاذ، مهما تغير الزمن وجار عليه، يظل أكبر من نظرة تلميذ مستهزئ، غاضب أصلا من فشله الدراسي، لأن هذا المعلم ببساطة مثل الأنبياء صاحب رسالة، لا يتنازل عنها، ولا يساوم على قيمها .

يعيش رجل التعليم منذ عقود بين مطرقة الواقع الإجتماعي وسندان الصورة النمطية والسخرية التي تروج عنه. فقد تحول المعلم، الذي كان رمزا للمعرفة والقدوة والتنوير، إلى شخصية كاريكاتورية تختزل في مشاهد هزلية مبتذلة، وإيماءات توحي بالتقاعس والكسل والبخل.

لقد ساهم كل ذلك في تشكيل وعي سلبي تجاه رجل التعليم، الذي يقدم كشخص فاقد للحماس، كثير التذمر، لا يتقن عمله إلا بمقابل مادي، يعيش على الهامش، ويساق في أحاديث كثيرة كنموذج للفشل أو للسخرية اليومية. إنها صورة ساخرة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها نزعة لتقزيم دور المدرسة وتقويض مكانة المعلم في المجتمع.

بدل أن ينتقد الخلل الذي أصبح ظاهرا بوضوح في بعض السياسات العمومية التي همشت دور رجل التعليم، فصارت السهام توجه نحو الضحية نفسها. وهكذا صار المعلم متهما بدل أن يكون محط تقدير.

تكرار هذه الصورة رسخ لدى الأجيال الجديدة نوعا من الاستصغار ، فغابت هيبة المعلم، وتلاشت تلك الهالة التي كانت تحيط به قديما. لقد تحول من مرب إلى موظف، ومن رمز للعلم إلى موضوع للسخرية، في زمن تتراجع فيه القيم أمام ضجيج التفاهة والانحدار الأخلاقي. لكن الحقيقة أن رجل التعليم هو عصب أي نهضة، وأن السخرية من صورته ليست سوى سخرية من واقع معيش ومن المستقبل ذاته.

فالمعلم الذي يقف كل صباح أمام التلاميذ، حاملا هم المعرفة في زمن التهميش، يستحق التكريم لا التهكم، والدعم لا الاستهزاء.
وإعادة الاعتبار إليه تبدأ من تصحيح صورته الرمزية، ومن بناء وعي جماعي بأن المجتمع لا يزهر إلا بصون كرامة هذا المعلم وحفظ مكانته.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: