الأحداث من الرباط
نظمت المديرية الجهوية للثقافة بجهة الرباط سلا القنيطرة وبتنسيق مع المركز المغربي للديبلوماسية الموازية وحوار الحضارات ندوة تحت عنوان الرقمنة والكتاب: التهديدات والفرص يوم الاثنين 27 أكتوبر 2025 على الساعة الرابعة والنصف بعد الزوال بفضاء المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط.
المشاركون: شارك في الندوة ثلة من الأساتذة الاجلاء وهم:
سفيان الفاضلي: دكتور في القانون العام.
اميمة الادريسي: باحثة في القانون العام.
كوثر النهى: باحثة في القانون العام.
المداخلات :
قدمت السيدة المسيرة لمحة عن التحولات التي باتت تشكلها الرقمنة في تاريخ المعرفة و الثقافة و ان الرقمنة لم تعد مجرد أداة تكميلية بل أصبحت واقعا يشكل بيئة جديدة و ظل الكتاب وعاء رئيسيا للمعارف والأفكار والسرديات وهذا الانتقال من العالم المادي الى العالم الرقمي لا يخلو من التعقيدات و التهديدات ، فهو يبرز فرص لتوسيع دائرة المعرفة و يقابلها تحديات تهدد قيمة و هوية الكتاب.
المداخلة الأولى: د. سفيان الفاضلي بعنوان التحول الرقمي للكتاب أي مستقبل للثقافة في ظل الاستدامة البيئية؟
ساهمت سياسات الانتقال الطاقي و الالتزامات الدولية في مجال المناخ في تعزيز انتشار و تشجيع الكتاب الرقمي، بالنظر إلى الآثار البيئية البالغة لصناعة الكتاب الورقي، إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 35% من الأشجار المقطوعة حول العالم تستهلك في إنتاج الورق ، فضلا عن التلوث الهوائي و المائي الناجم عن عمليات تبييض الورق ومعالجته وانطلاقا من هذه الاعتبارات، أصبح الكتاب الرقمي يعد مدخلا فعالا لتحقيق أهداف العديد من الدول في مجالات الانتقال الطاقي، وحماية البيئة وصون التنوع البيولوجي.
بالاستناد إلى الإحصاءات الصادرة عن وزارات الثقافة في هذه الدول، يتبين أن هذه المبادرات قد أسهمت بوضوح في رفع نسب القراءة والإقبال على الكتاب.
ففي كوريا الجنوبية، أدى إنشاء المكتبات الرقمية إلى ارتفاع نسبة القراء من 52% إلى 63% خلال خمس سنوات. وفي سنغافورة ،سجل عدد مستخدمي الكتاب زيادة سنوية بلغت نحو 25% بعد إحداث المكتبات الرقمية، بينما ارتفع عدد الكتب المقروءة في السويد بنسبة 40% عقب إطلاق هذه المبادرات. تبرز هذه الأرقام أن الدوافع البيئية التي سرعت من تبني التحول الرقمي في مجال الكتاب قد أفرزت آثارا إيجابية تتجاوز البعد الإيكولوجي لتشمل البعد الثقافي والمعرفي.
غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: إلى أي مدى يمكن للمغرب أن يستفيد من هذه التجارب الدولية وينقلها إلى ساحته الثقافية ؟ وما هي التحديات البنيوية والتقنية و الاجتماعية التي قد تعيق انخراطه الفعلي في هذا المسار نحو رقمنة الثقافة والكتاب ؟
المداخلة الثانية: ذة. اميمة الادريسي بعنوان الكتاب الورقي في عصر الرقمنة بين الاستمرارية و التجديد.
توصلت دراسة قامت بها كلية الأعمال و الاقتصاد بجامعة ماكويري في أستراليا، شملت عينة من ألف كاتب وناشر، إلى أن نصيب الكتب المطبوعة يأتي في الصدارة بنسبة 45% مقارنة بـ 35% للكتب الرقمية أو الإلكترونية أو الصوتية. وبالتالي،يمكن القول إن الكتاب الورقي لا يزال يحظى بشعبية كبيرة بين القراء، على عكس الاعتقاد السائد بأن الكتاب الرقمي هو من يتصدر المشهد في عالم الكتب، أما بالنسبة للجانب الثاني، فقد أظهرت إحصائيات المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط في دورته الثلاثين، وجود أكثر من 756 دار نشر ومائة ألف عنوان، مما يدل على اهتمام متزايد بالقراءة.
و على الرغم من التحولات الرقمية، يجب على دور النشر أن تحافظ على هوية الكتاب الورقي. توفر قراءة الكتاب الورقي تجربة فريدة ، حيث تمنح القارئ فرصة للتأمل والتفكير بعيداً عن ضغوط الحياة. ينبغي على دور النشر البحث عن طرق مبتكرة لدمج الكتاب الورقي مع التقنيات الحديثة، مما يضمن استمرار التجربة الفريدة التي يوفرها الكتاب الورقي.
في الختام، يمكن القول أن الرقمنة تمثل فرصة وتحديا في آن واحد يجب على دور النشر أن تتبنى هذه التحديات بروح إيجابية، مع الحفاظ على الإبداع والهوية الثقافية.
المداخلة الثالثة: ذة. كوثر النهى بعنوان افاق التكامل بين الكتاب الورقي والرقمي.
فالمعرفة لم تعد تنتج عبر قناة واحدة، بل عبر فضاء تفاعلي متعدد الوسائط ، حيث أعادت الثورة الرقمية تشكيل أنماط القراءة والفهم والمشاركة ثم ان العلاقة بين الورقي و الرقمي علاقة تكامل لا إحلال . كما أن هذا التكامل يؤدي إلى تحول إبستمولوجي في مفهوم الحقيقة والمعرفة التي لم تعد المعرفة نهائية أو مغلقة، بل أصبحت ديناميكية ومتغيرة بحسب تفاعل الأفراد و المنصات و الخوارزميات . وهذا يعكس انتقال الفكر الإنساني من مرحلة النص الثابت إلى مرحلة المعرفة الشبكية المفتوحة، حيث تندمج الذاكرة البشرية مع الذاكرة الرقمية في عملية مستمرة من التراكم وإعادة البناء.
فإن الرقمنة توفر آليات لحفظ الذاكرة الجماعية والمعرفية، عبر أرشفة رقمية مؤمنة تضمن بقاء المحتوى متاحا للأجيال المقبلة الا ان الامر أصبح يفرض بشكل كبير وجود سياسات رقمية رشيدة تشمل معايير حفظ البيانات، وحماية الملكية الفكرية. لان الرقمنة في جوهرها، تتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة لأنها تساهم في نشر المعرفة، وضمان استدامتها، وتقليص الفوارق المعرفية،خصوصا في مجالات التعليم والابتكار و الحكامة.
إن تحقيق التكامل بين الوسائط الورقية والرقمية لا يمكن أن يتم بجهود معزولة، بل يتطلب تعبئة جماعية تشمل التعليم، والثقافة، والقطاع الخاص، في إطار رؤية منسقة لبناء مجتمع معرفي متوازن ومستدام.
