
الأحداث/مكناس
يُقام هذه الأيام موسم سيدي علي، في مشهد يختزل مظاهر التناقض التي يعيشها المجتمع المغربي. فبعيدًا عن أي بعد ديني صحيح أو قيمة ثقافية حقيقية، يتحول الموسم إلى ملتقى لممارسات وثنية تعود إلى ما قبل التاريخ إشعال النار المقدسة، تقديم القرابين لسادة الظلام، وترديد طقوس خرافية تُعيدنا إلى عصور غابرة كان فيها الإنسان يعبد الصخور ويقدّس الأوهام.
الأدهى من ذلك أنّ الموسم يتضمن فضاءات صادمة، منها ما يُخصّص لتعليم الأطفال القمار على مرأى ومسمع السلطات التي جُندت لتأمين التجمع، فضلًا عن منازل تُفتح للعموم حيث تُمارس طقوس البخور والجدبة ومظاهر شرك وفسق لا تخفى على أحد.
المفارقة الكبرى أنّ هذا المشهد لا يمر في الخفاء، بل يُنظم بشكل رسمي، في دلالة واضحة على أنّ الدولة لا تكتفي بتجاهل هذه المظاهر، بل تمنحها غطاءً من الشرعية والعناية الخاصة.
وإذا ما أجرينا حسابًا بسيطًا لما يُصرف من المال العام على تأمين هذا الموسم – من فرق الدرك والقوات المساعدة وأجهزة الاستخبارات والوقاية المدنية – لوجدنا أنّ هذه الموارد كان الأجدر أن تُستثمر في التنمية الحقيقية لساكنة سيدي علي والدواوير المجاورة، عبر إصلاح البنية التحتية، تحسين الخدمات الأساسية، وفتح آفاق اقتصادية بديلة تُحرّر السكان من الفقر والتفقير.
إنّ الإصرار على دعم مثل هذه المواسم، بدلًا من الاستثمار في الإنسان، لا يكرس سوى الجهل والهشاشة، ويُضعف الثقة في خطاب التنمية والحداثة الذي تُرفع شعاراته في المحافل الرسمية. والسؤال الجوهري: متى ستيفكّر المسؤولون بجدية في تحويل هذه الطاقات والموارد من رعاية الطقوس الظلامية إلى مشاريع تنويرية تليق بمغرب القرن الحادي والعشرين؟