من شوارع المضيق.. محمد اعويفية يكتب "الخبز اليابس" - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الخميس, يوليو 30, 2026
مدونات الأحداث

من شوارع المضيق.. محمد اعويفية يكتب “الخبز اليابس”

الأحداث✍️بقلم: محمد اعويفية

هذا ليس عنوانا لرواية على غرار الخبز الحافي لمحمد شكري، ولكنه عنوان للتخمة هنا والجوع هناك.. ففي كل زاوية من شوارع مدينة المضيق الجميلة، وقرب حاوية النفايات، مشهد يتكرر في كل جولات المشي الصباحية المفضلة لدي: رغيف خبز مرمي، يابس، محطم، أو ملفوف في أكياس بلاستيكية، كأنه لم يكن يوما طعاما صالحا “مباركا” على مائدة الأسرة.
نرميه أو نراه مرميا ونمضي، كأن المشهد والفعل لا يعنيان لنا شيئا، دون أن ندرك أن ما نهدره هو أكثر من مجرد طعام أو خبز. إنه فعل شاهد على مفارقة غريبة وقاسية لا يدركها الكثيرون منا؛ مفارقة تعني التخمة المفرطة عندنا ، والجوع عند غيرنا هناك، حيث تقضي نحبها نسوة وأطفال ورجال…

الخبز، في ثقافتنا التي يمكنك أن تقول عنها ما تقول، ليس مجرد مادة غذائية عادية، بل قيمة معنوية. نسميه النعمة أو البركة، وكنا نقبله إذا صادفناه مرميا على الأرض، نضعه جنب الجدران حتى لا يداس بالنعال. علمنا آباؤنا فعل ذلك احتراما وتقديرا لهذه المادة الحيوية، ثم بتنا اليوم ننسى هذا الاحترام حين نشتري أكثر مما نحتاج، أو حين نعرض عنه لأنه خبز “بيت كيتفرتت” لم يعد يصلح للأكل، لينتهي به المطاف مرميا قرب القمامة.

لا شك أن هذه الظاهرة تعكس أزمة وعي عميقة. فنحن لا نهدر الخبز وحده، بل نهدر معه مواد أخرى دخيلة في خبزه، بالإضافة إلى الوقت والجهد الذي بذل من أجل تشكيله على هيئات مختلفة.
في مجتمعنا، الذي لا تزال فيه نسبة كبيرة من الناس تعاني من الفقر أو الهشاشة، يصبح هذا الهدر شكلا من أشكال الترف المؤلم الذي يجب التنبيه إليه.

ماذا لو فكرنا للحظة قبل أن نرمي الخبز هكذا؟ ماذا لو جمعناه وحفظناه في مكان تحت وصاية الجماعة، لتجففه واستعماله كعلف للحيوانات والطيور؟ أو نتبرع به بدل إرساله هكذا إلى القمامة؟
خطوات وتدابير صغيرة كهذه قد تصنع فرقا حقيقيا، ليس فقط على مستوى السلوك، بل في إعادة الاعتبار إلى ما فقدناه من تقدير لنعم الله الأخرى علينا.

رغيف الخبز اليابس لا يجب أن يرمى في سلة المهملات، بل أن يؤكل، أو يستعمل، أو يعامل بما يليق بنعمة كانت وما زالت أساس حياة الملايين وبقائهم.
رمي الخبز ليس فقط هدرا لمواد أساسية ضرورية للحياة، بل جرح أخلاقي يزداد عمقا في ضميرنا وضمير مجتمع عليه أن يتصالح مع ما يأكل، وكيف يأكل، وأشياء أخرى رويدا تفقد قيمتها عمدا أو تجاهلا.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: