وقْفةٌ نقدية مع الشاعر الزجال عبد النبي اكرولة - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الثلاثاء, سبتمبر 15, 2026
فن وثقافة

وقْفةٌ نقدية مع الشاعر الزجال عبد النبي اكرولة

الأحداث✍بقلم ذ. محمد زين

لروحك الطاهرة ألف رحمة من دار الدنيا إلى دار القرار، سائلين المولى أن يُلهمنا إلى الصالح من الأعمال إنّه قدير منّان. مددتُ جناح هذه الورقة لِتنصرف إلى تأمل أحد مكونات الأدب الشعبي وهو الزجل مخزون الذاكرة المغربية الذي يُحْدثُ الأثر ويرقى إلى إبداعية مخصوصة تحفر في كيان النصوص. واليوم نرتمي في حياض الأدب الشعبي شكلا ومضمونا في وُسْع خطابات ومرجعيات نصبو من خلالها إلى فهم مكنونات الحياة و تجذير الثقافة الشعبية بالمعنى” الذي يجعلها إنتاجا ذهنيا يقوم به أناس متخصصون” على حد تعبير د.عباس الجراري في كتابه” في الإبداع الشعبي”، ص124، تأكيدا على ركيزته الحضارية وامتداده في باطن التاريخ وثراء وخصوبة الممكنات التعبيرية التي تعد جزءا من شخصية الشاعر وثقافته ومنجزه، ومنه فالزجل باعتباره أدبا شعبيا شفهيا منقولا كتابةً بلغ تراكما كميا ونوعيا حتى اكتمل نصيا وأصبحت معه بعض الأعمال الراهنة أكثر انفتاحا على التجريب والتجاوز والخرق، لكن تظل لغتُه الشعبية متفرّدةَ النبض الشعري؛ ديدنُها أنْسَجَةُ كتابة إبداعية، ومظنّة نفاستِها تعبير بالكلمات والأشياء بشكل يتلاءم مع رؤية الشاعر ومقصده، والقصيدة صورة الشخصية وصوت الذاتية الفردية والجماعية، بيّنة المعالم والقسمات لها شكلٌ وذاتُ فكرة، تمتلك قدرة لغوية وأسلوبية تستطيع إدراك الأشياء بتعضيدٍ من الموهبة، والشاعر عبد النبي اكرولة مُحسّنٌ مُبرِّزٌ يعانق الوجود وينطلق من واقع مجتمعه ويصوّر محيطه ويرسم بموروثه الثقافي والحضاري صورا حُبلى بالحياة. الحرف عنده غيرُ ذي جدوى في اللغة أو في تواصليتها، وإنما المنْقبة والفضيلة في القدرة على بناء الدلالة زادًا وتوليد المعاني عتادًا، والآن، نستطيع أن نتخيل بدورنا ما يمكن أن تشير إليه هذه التجربة الشعرية من جماليات أمْتَنَ في الإبلاغ وأفْخمَ في الإفهام وأشْمل في التعبير عن شواغل الذات وهموم الإنسان.
بعض الإشارات السوسيو-أنثروبولوجيا لمفهوم الثقافة كما وظّفه الشاعر الزجال:
وإنّك لَتَنْظُرُ في متن الشاعر الزجال نظرةَ عاقلٍ ثبْتٍ تلفي مظاهر الحياة الثقافية الشعبية التي نستطيع التعرف بواسطتها على ذواتنا، ونجد سبيلا إلى الكشف عن الصور الذاتية التي تمُدُّنا بإنسانيتنا حتى لا يَغْمُضَ مُسْتبْطَنُها، ولذلك “علينا أن نبحث خلف أو تحت أو ما وراء عاداته وتقاليده” كما يرى الأمريكي كليفورد غيرتز أحد أشهر علماء الأنثروبولوجيا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، في قصيدة “السفيانية” من ديوان عتبة سفيانية:” الرّاوي في الحلقة/ كال باقيا فيا الحُرْقة/ تْهَرْسَت الألوان/ في الدريبة المزوقة”، وفي قصيدة بلادي من ديوان “باقي فالخاطر ما نكول”:” بْغيني كِالاُمْ، حُبْ الام ما يْخيبْ/ بغيني كِالَبْلاد وُ الأم/ واللّي مايْبغيهُم/ عمرو يْكون لِيَ حْبيب” ص79. وعلى شفير هذا الملمح من الطرح، يغترف الشاعر من بئرِ التراث الإنساني الجمعي المشترك بحبْلٍ ناتِئٍ يشج الماضي بالحاضر والمستقبل، فيتّخذُ من الترميز والتجريد والتعبير ألْطف ما يُجسد تَمسُّك الإنسان بثقافته الروحية، فالفعل حاثُّ القول، يقول: ” بْحرْ كُدّامك/ بْحر وْراك/ سبحان اللي خلْقكْ وسَوّاك/ في عْظامي اسْكنْتيني/ منّك ما طالبْ والو/ كُلاّ وْفالو في خْيالو/ وأنا فالي/ في تْرابكْ دفْنيني” ص21/22، يزداد جلاء اللغة الشعرية المُشكّلةِ من كلمات وجمل ومقاطع ذات وظيفة بنائية داخل القصيدة بهدف التأثير الجمالي والنفسي على المتلقي، تتبدى عند الشاعر تارة إخبارية تواصلية وأُخرَ رمزية إشارية في إضاءة متبادلة، هذا الأفق الدال على حسن الانتزاع والاجتلاب تنصهر معه قريحة الشاعر وأناهُ؛ فالأنا عنده جملة “هي القسم الأصغر الذي يُمثّل بجدارة وكمال الخطاب بأسره” كما يراها أندريه مارتينيه من خلال مقالة ” أفكار حول الجملة”، إنّه الوجود بالخطاب الذي يُصبح رسالة تعتور القيم والإيديولوجيات والحياة والمعرفة، “الأنا” سَكَنٌ يأوي الذات ويضعها موضِعًا وجوديا وحقيقيا، هي كلٌّ كاملٌ وعلامة تحقُّقٍ صارخ مُترفة بثقافة الشاعر، يقول في قصيدة “وسْط الجْقُلّة”: “وأنا غير بوهالي/عاجبني حالي/كنْسوَّلْ بْلا منهَوَّلْ/عْلاشْ رابُو لَعْشاشْ”ص 108″ مسألة توثيق كلام البوهالي والمجدوب؟”.
مركزية القلب والعقل والأنا عند الزجال عبد النبي اكرولة:
لتشريح النفس البشرية وتفسير تناقضاتها عمد الزجال إلى تشكيل إطار العقل والقلب وأناه “في منطقة ” البين بين”، أما العقل حقل مُضمر وباطنُ اللاوعي، أما القلب فهو جوهر النفس وضابطُ أفعالها وانفعالاتها، واجتماعهم ” أي القلب والعقل وأنا الشاعر” محبوبٌ يناله وزوالُهم مكروه ينال منه. ترددت كلمة قلب في الديوان لتؤدّيه وتكشف عنه، وفي المُجْمل الحاصل يقول في قصيدة ” حرْتْ في همّي”: ” كُنتْ يا قلبي غطاس بحورَك وعارف جروفو/ كنتْ يا قلبي غوّاص كلامك وعارف حروفو/ مالك مهموم اليوم؟ تْناجي سْرابكْ” ص18، ثم في قصيدة ” قلبي وْعقلي وأنا” يقول: “سْواقي جْراتْ منْ القلب/ تْرُشْ الغَمّة/ مَا/ مَنْ عْيونْ ذاتو/ هطّالة، شْتا تْصُبْ/ نغمة/ تحْكي حَكْمة/ وْهُوَ مْعرّي مَنْ كْساتوا” ص32. تُثْبتُ القرائن النصية أنّ القلوبَ معمورةٌ وشاعرية عميقة الدلالة وأنّها نبضُ الحياة ومصدرُ العاطفة، مُتَقلّبةٌ ومُتحوّلةٌ إلى همٍّ ضَاجَعَ حياتنا المعاصرة، ولأنّ شرَّ العمى عمى القلب، فقلْب الشاعر في القصيدة شخص لبيب حذِقٌ شديدة الوَثَاقِ بالقيم ينهض على التأمل والإدراك. أما العقل ” في قْدامو مهمازْ/ يأْذيه يكْويه”، وأناهُ بينهما تائهة هائمة، يقول: ” وأنا مْعيّطْ عْلى المُحالْ/ كُنْتْ طالبْ/ راغبْ/ نجْمعْ شَمْل القْلوبْ/ سايْحْ في خْطاكْ رحّالْ/ مْعاتَبْ/ رْجا في اللّه/ في ذاتي ولّيتْ معْطوبْ”ص34/35.
يعطي الشاعر الضوء الأخضر للإنسان البسيط ” بن شالّة و زَرَابَة” في قصيدة السفيانية: ” كانت المدينة صغيرة/ حصيرة../ بن شالة يْطيّب الحريرة / في الجوع يْنسّيني/ زَرَابَة يشوي الشواية/ هازْ الراية/ الكورس/ الزاوية/ حْدايا / رْيال يَدّيني”، استدعاء ينم عن التحولات الاجتماعية المُتسارعة والتي يقف عندها الزجال مذعورا، يقول: ” هَرْمَتْ الأيام في ذاتي/ كَلْتْ نلْقِي الَمْراسي/ من راسي/ والجُرْحْ/ بالملْح، مابْراشْ/ حاضي الخَطْوة من الشُّبّاك/ المدينة لِّي بها احْلمنا/ والدّرْب لِّي بْنينَا/ تْلوّى عْلينا/ لْفاعْ وَحْناشْ”، وفي نفس القصيدة: ” الجْماعة تْفرْقتْ وْتاهتْ/ الحْلاوة مْرارتْ/ الكِيسانْ في الرّاسْ شاختْ/ وَالمَا.. اعْمى/ اتْسَمّمْ في المُقْراشْ”، يواصل: ” شْمعْ المْحبّة بنا ضاوي/ اتْقاضى وْذابْ/ خرْجتْ الذْيابْ/ وْفي فُمْ البابْ/ تنْهشْ الكْباشْ”.
نتصور النص الأدبي المُنجز والمُفْعم بخبرات جمالية تعكس إبداعية الشاعر الزجال، وموازاة مع هذه النظرة يطفو إلى السطح النسق المضمر ” الخبرة الأولية بتعبير هايدجر” التي تبرز ثقافته وخطابه ومرجعياته وموقفه من العالم والأشياء، وهو الأمر الذي استوت على جوديّهِ قصائد الشاعر.
على سبيل الختم:
عبد النبي اكرولة شاعر زجال من أبناء حاضرة المحيط البررة، يحتفي بالإنسان والمكان والموروث الجمعي قريب من نبض الفن الشعبي، الزجل عنده حياة وتفاعل ورصد نصي وثقافي يكون فيه أرقَّ صوغا وأحسنَ حوْكًا لخيوط القصائد يكْسوها بمعانٍ من التراث الشعبي كذاكرة ثقافية تختزن العادات والتقاليد والحكايات والأمثال لِتُجسّد هواجس ووجدان الإنسان، والتجربة الشعرية لزجالنا غنية بالصور الدافقة بنبض الحياة وحرارتها انطلاقا من العوالم الخارجية (المحيط) وعن العوالم الداخلية (النفسية).

 

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: