نقص الموارد البشرية بمكتب حفظ الصحة بآسفي.. حين يتحول غياب طبيب مختص إلى أزمة تكشف أعطاب التدبير. - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الخميس, أكتوبر 29, 2026
اسرة و مجتمع

نقص الموارد البشرية بمكتب حفظ الصحة بآسفي.. حين يتحول غياب طبيب مختص إلى أزمة تكشف أعطاب التدبير.

الأحداث✍️عبد اللطيف أبوربيعة

لم يعد الخصاص الذي يعاني منه مكتب حفظ الصحة بآسفي مجرد إشكال إداري عابر، بل أصبح يطرح أسئلة ملحة حول تدبير الموارد البشرية وضمان استمرارية الخدمات الصحية، في ظل تعدد المهام الملقاة على عاتق الأطر العاملة بهذا المرفق، مقابل محدودية الإمكانيات البشرية المتاحة. ويأتي توقف خدمة التشريح الطبي، بسبب وجود الطبيب المكلف بها في عطلته السنوية دون توفير بديل، ليعيد إلى الواجهة ضرورة تدخل الجهات المسؤولة بشكل عاجل لتدارك هذا الخصاص.
وتزداد خطورة الوضع حين يتعلق الأمر بجثامين الموتى التي يتطلب تحديد أسباب وفاتهم إخضاعها للتشريح الطبي من طرف طبيب مختص، إذ سبق أن واجهت أسر صعوبات في استكمال الإجراءات اللازمة لإخراج جثامين ذويها ودفنها، بسبب تعذر إجراء التشريح في غياب الطبيب المختص. وهي وضعية تفرض التساؤل عن مدى استعداد الجهات المعنية لضمان استمرارية هذه الخدمة الحيوية، حتى خلال فترات العطل والغياب.
وفي خضم هذه الإشكالية، تبرز ضرورة التمييز بين مسؤولية الأطر الطبية العاملة بالمكتب ومسؤولية الجهات المكلفة بتوفير الموارد البشرية والتخصصات الضرورية. فالطبيبة الموجودة بالمرفق، وفق المعطيات المتوفرة، لا تتوفر على تخصص في التشريح الطبي، كما لم تستفد من تكوين في هذا المجال، وهو ما يجعل تحميلها مسؤولية تعذر إنجاز عمليات التشريح أمرا غير منصف، ما دامت لا تتوفر على التأهيل المهني اللازم للقيام بهذه المهمة.
إن معالجة هذا الوضع لا تكون بالبحث عن طرف لتحميله مسؤولية اختلالات التدبير، وإنما بتوفير طبيب مختص أو إرساء آلية واضحة للتعويض وضمان استمرارية الخدمة، بما يحفظ كرامة الأسر ويجنبها معاناة إضافية في لحظات الفقد.
ولا تقف معاناة مكتب حفظ الصحة بآسفي عند حدود التشريح الطبي، بل تمتد إلى تعدد المهام اليومية التي تضطلع بها الطبيبة المعنية، والتي تشمل معاينة الوفيات داخل المنازل، حيث قد يتراوح عددها، بحسب المعطيات المتوفرة، بين سبع وثماني حالات يوميا، مع تسليم شواهد الوفاة لذوي المتوفين.
كما تتحمل مهام المراقبة الصحية ضمن اللجنة الإقليمية المختلطة، فضلا عن تتبع الدفاتر الصحية والتحاليل المرتبطة بالعاملين في المحلات التجارية والأسواق الكبرى والمقاهي والمطاعم، وهي مسؤوليات ترتبط مباشرة بحماية الصحة العامة وضمان احترام الشروط الصحية داخل الفضاءات التي يرتادها المواطنون يوميا.
وإلى جانب ذلك، تضطلع الطبيبة بمهمة توعية الأشخاص الذين تعرضوا للعض، بشأن مخاطر داء السعار وأهمية التلقيح، وهي مهمة وقائية لا تقل أهمية عن باقي الاختصاصات، بالنظر إلى ما يترتب عن التأخر في التوعية والتدخل الطبي من مخاطر محتملة على صحة المواطنين.
وأمام هذا التراكم في المسؤوليات، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لمرفق صحي أن يضمن جودة خدماته واستمراريتها في ظل محدودية موارده البشرية، وتعدد المهام، وغياب بدائل مؤهلة لبعض التخصصات الأساسية؟
إن ما يعيشه مكتب حفظ الصحة بآسفي يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات المسؤولة، سواء على مستوى تدعيمه بالموارد البشرية الكافية أو توفير طبيب مختص في التشريح الطبي، مع وضع نظام للتعويض عن الغياب والعطل، حتى لا تبقى خدمة حيوية رهينة وجود موظف واحد.
إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتسجيل الاختلالات كلما وقعت أزمة، بل الانتقال إلى المعالجة الاستباقية، عبر تشخيص دقيق للخصاص، وتحديد الحاجيات الفعلية، وتوفير الكفاءات اللازمة، بما يضمن عدم تكرار معاناة الأسر التي تجد نفسها أمام صعوبات إدارية وطبية في لحظات إنسانية شديدة الحساسية.
فالصحة العامة لا تحتمل التدبير بمنطق سد الفراغ عند وقوع الأزمة، وكرامة الموتى وذويهم لا ينبغي أن تظل رهينة غياب طبيب مختص. ومن هنا، فإن تدخل الجهات المسؤولة لم يعد مجرد خيار لتحسين ظروف العمل، بل ضرورة لضمان استمرارية مرفق حيوي وحماية حق المواطنين في خدمات صحية وإدارية منتظمة، مع إنصاف الأطر العاملة به وعدم تحميلها تبعات خصاص لا تملك صلاحية معالجته بمفردها.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: