ملتقى «شغف القراءة» بسلا: تجارب مثقفين مغاربة تكشف دور الكتاب في تشكيل الوعي وصناعة التحولات الفكرية - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الأحد, أكتوبر 18, 2026
اسرة و مجتمع

ملتقى «شغف القراءة» بسلا: تجارب مثقفين مغاربة تكشف دور الكتاب في تشكيل الوعي وصناعة التحولات الفكرية

الاحداث نت : مراسلة ـ م ـ ع ـ الإدريسي

نظمت مؤسسة الفقيه التطواني بسلا، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، الدورة الرابعة من الملتقى السنوي «شغف القراءة»، يوم الجمعة 16 أكتوبر بمقر المؤسسة بسلا، تحت عنوان «المثقف المغربي والكتاب: جدلية فعل القراءة وصناعة الوعي».

وحسب المؤسسة، فإن اختيار هذا الموضوع يستند إلى الوعي بأهمية القراءة في تشكيل مسار الفرد وتوجيهه عموماً، ومسار المثقف على وجه الخصوص. وشهدت هذه الدورة مشاركة الباحث محمد عبد الوهاب رفيقي، والكاتب والإعلامي سعيد منتسب، والإعلامية فاطمة الإفريقي، فيما أدار أشغال الملتقى كل من الأستاذ أبي بكر الفقيه التطواني والكاتبة لطيفة باقا.

وانتقل ملتقى «شغف القراءة» في دورته الرابعة من الحديث عن القارئ بصيغة الجمع إلى استكشاف تجربة القارئ بصيغة المفرد، من خلال الاقتراب من تجارب أسماء بارزة في المشهد الثقافي المغربي، والبحث في جذور علاقتها بالكتاب، وفي الدور الذي أدته القراءة في تشكيل وعيها وتعزيز ارتباطها بالثقافة والمعرفة.

كما شكلت دورة هذه السنة مناسبة للحضور والمتابعين عبر المنصات الافتراضية للاطلاع على تجارب إنسانية وفكرية متنوعة، استطاع أصحابها من خلالها بناء مساراتهم الخاصة وترسيخ حضورهم في الساحة الثقافية والفكرية والإعلامية المغربية.

أبو بكر الفقيه التطواني يستحضر شغف والده بالكتب والمخطوطات

استهل أبو بكر الفقيه التطواني أشغال الملتقى بكلمة افتتاحية مؤثرة، استحضر فيها شغف والده الراحل الفقيه التطواني بالقراءة، مشيراً إلى أن العمر كله لم يكن ليكفيه لقراءة ما كان يتطلع إليه من كتب ومخطوطات ونفائس معرفية.

وقال إن والده «لم يكن يسأل ربه مالاً ولا جاهاً، بل كان يحلم بخزانة كتب ترافقه حتى في قبره»، مضيفاً أن الموت، في مخيلته، لم يكن ينبغي أن يضع حداً لذلك الحوار الأبدي بين الإنسان والمعرفة.

وأكد رئيس المؤسسة أن القراءة ليست مجرد انتقال العين بين السطور، بل هي انتقال العقل من اليقين السهل إلى السؤال العميق، معتبراً أن قيمة المثقف لا تقاس بعدد الكتب التي يقرؤها، وإنما بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية.

وطرح أبو بكر الفقيه التطواني سؤالاً مركزياً حول موقع المثقف المغربي والكتاب في زمن تتسارع فيه الصور، وتتزاحم المنصات، وتتدفق المعلومات بكثافة، مقابل تزايد الحاجة إلى الفهم والتبصر.

وشدد على أن القراءة ليست ترفاً فكرياً، وإنما هي «فعل تحرر، وشرط لبناء الوعي، وأحد أعمق أشكال مقاومة الجهل والانغلاق»، مؤكداً أن الغاية من تنظيم ملتقى «شغف القراءة» تتجاوز الاحتفاء الرمزي بالكتاب إلى مساءلة العلاقة بين المثقف وما يقرأ، وبين ما يقرأ وما يكتب، وبين إنتاجه الفكري وأثره في وعي المجتمع.

واختتم كلمته بالتعبير عن أمله في أن يحظى حضور الثقافة والكتاب والمثقف بمكانة وازنة في برنامج الحكومة الجديدة، بما يسهم في تجديد الصحوة الثقافية بالمغرب.

سعيد منتسب.. من عتبة «مول الزريعة» بدأت رحلة الشغف بالكتاب

أكد الكاتب والإعلامي سعيد منتسب، في شهادة صريحة استعاد فيها محطات من علاقته بالقراءة، أن الكتاب كان بمثابة منقذ له. وأوضح أن نشأته في الضاحية الشرقية الفقيرة للدار البيضاء لم تتيح له الاطلاع بسهولة على عالم الكتب، في ظل غياب مكتبة عمومية بالحي.

ومن هنا، بدأت علاقته بالقراءة من عتبة دكان «مول الزريعة»، حيث كان يشتري أو يستعير سلاسل مصورة كانت متداولة آنذاك. كما استحضر حصوله، وهو طفل صغير، على بعض الكتب من سيدة كانت تبحث في القمامة، في مشهد يعكس كيف يمكن للشغف بالمعرفة أن ينشأ حتى في ظل محدودية الإمكانات.

وتحدث منتسب عن إرهاصات الكتابة لديه منذ سن الثانية عشرة، من خلال نصوص مسجوعة تحمل نفساً عاطفياً، قبل أن تتوطد علاقته بالكتاب خلال المرحلتين الإعدادية والثانوية، ثم في الجامعة.

وتوقف عند أهمية المواكبة والتشجيع اللذين تلقاهما من عدد من أساتذته، وفي مقدمتهم الأستاذ العبادي ومولاي علي القرشي، الذي تربطه علاقة بالكاتب البارز أحمد بوزفور.

وشدد منتسب، الذي يجمع في تجربته بين القصة القصيرة والرواية والإعلام والسينما، على أن الكتاب الحقيقي هو الذي يثير لدى القارئ الشك في اليقينيات المتداولة، ويحفزه على الكتابة والتفاعل والنقاش. كما أبرز القيمة الإبداعية التي يمكن أن يحملها ما سماه «الأدب العابر» وأدب كتاب الهامش، بعيداً عن منطق سوق الكتب الذي تتحكم فيه أحياناً الدعاية والترويج التجاري.

واعتبر أن تنمية فعل القراءة وتجويده ينطلقان من الفصول الدراسية، مروراً بتوفير المكتبات الصفية والعمومية، وتحسين القدرة الاقتصادية على اقتناء الكتب، وصولاً إلى تعزيز حضور القراءة والثقافة في الإعلام العمومي، متسائلاً عن مدى توافر هذه الشروط في البيئة المحلية.

وسجل أن أهمية الكتاب تكمن أيضاً في إسهامه في بناء شخصية القارئ وتطوير وعيه الأدبي والثقافي والسياسي، وفي الأسئلة والتأويلات التي يثيرها لديه، فضلاً عن قدرته على تحفيزه على الكتابة وإنتاج المعرفة بصيغ مختلفة.

فاطمة الإفريقي.. متعة القراءة بوابة لاكتشاف الذات والعالم

من جهتها، أكدت الإعلامية وكاتبة الرأي فاطمة الإفريقي أن علاقتها بالقراءة لم تكن نفعية، ولم تنطلق من اعتبارها واجباً مدرسياً، بل تأسست أساساً على المتعة، التي وصفتها بأنها جوهر تجربة القراءة ومصدر جاذبيتها.

واعتبرت أن القراءة تشكل فسحة للسفر في أحلام الآخرين وتجاربهم، وأسهمت في بناء شخصيتها وسلوكها واختياراتها ومواقفها، مشددة على أهمية مرحلة الطفولة في ترسيخ علاقة إيجابية ومستدامة بالكتاب.

واستعادت بداياتها مع قصص عطية الأبراشي، التي ساعدتها شخصياتها على اكتشاف أن الحياة أوسع من محيط الأسرة. ثم انتقلت إلى قراءة روايات إحسان عبد القدوس والمنفلوطي، قبل أن تتعرف على عوالم نجيب محفوظ وجبران خليل جبران.

وأوضحت أن القراءة تحولت تدريجياً إلى تجربة لاكتشاف الذات كامرأة، وفهم موقعها وأدوارها داخل المجتمع، إذ منحتها القدرة على طرح الأسئلة والشك في المسلمات وتشكيل وعيها بحقوق المرأة ورغباتها، كما فتحت أمامها نافذة للاطلاع على تجارب الناس واختلاف أنماط عيشهم، وأسهمت في تطوير قدراتها التواصلية وفي تدبير العلاقات الإنسانية.

ومع انفتاحها على الروايات العالمية وكلاسيكيات الأدب اللاتيني، استوعبت، بحسب شهادتها، أن الثقافات المختلفة تتقاطع في كثير من القيم والتجارب الإنسانية.

ومع خوضها تجربة الإعلام ومتابعة الدراسات العليا، اتخذت القراءة منحى أكثر وعياً ونقدية، من خلال الاهتمام بنظريات الإعلام والسمعي البصري.

واختتمت الإفريقي شهادتها بتوصية الحضور والمتابعين بقراءة رواية «هيا نشتري شاعراً» للكاتب البرتغالي أفونسو كروش، التي اعتبرتها عملاً صغير الحجم لكنه مهم من حيث ما يثيره من أسئلة ودلالات.

عبد الوهاب رفيقي.. كتب غيرت طريقة التفكير وفتحت أبواب الاختلاف والتسامح

واستعرض الباحث في الفكر الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي تجربته مع القراءة والكتب، متوقفاً عند تأثير البيئة الأسرية في تشكيل اهتماماته الأولى، حيث عاش بين نزعة والده الدينية المحافظة ومكتبة منزلية غنية بأمهات الكتب الفقهية والدينية، انكب على قراءتها منذ الصغر، وبين انفتاح والدته، بحكم عملها في الخطوط الملكية، على مجلات نسائية وفنية فرنسية ومجلات الأطفال والخيال التي كانت تجلبها معها.

واستمرت القراءة في إغناء مساره الدراسي والجامعي، مع غلبة الاهتمام بالكتب الدينية المرجعية والتعمق في أفكار الحركات السلفية، وهي التجربة التي ارتبطت لاحقاً بالاعتقال والسجن.

وأوضح رفيقي أن التحولات الفكرية التي عاشها امتدت إلى ما قبل السجن وأثناءه وبعده، وأن سنوات العزلة في السجن الانفرادي شكلت فرصة للاطلاع على كتب تحليلية ونقدية وتاريخية متنوعة، أسهمت في تغيير نظرته إلى عدد من الأفكار التي كانت تعدها الحركات الإسلامية السياسية مسلمات لا تقبل النقاش.

ومن بين القضايا التي أعاد النظر فيها تجريم العمل السياسي الانتخابي، ورفض الخوض في بعض القضايا المرتبطة بقراءة التراث الإسلامي، ومنها ما يتصل بسيرة الصحابة والتاريخ الإسلامي لدى عدد من المرجعيات الفقهية.

وسجل رفيقي أن بعض الكتب أحدثت تحولاً ثقافياً ونفسياً في مساره الفكري الممتد على مدى ثلاثين سنة، ودفعته إلى مراجعة عدد من المسلمات. وخص بالذكر كتاب «الخلافات السياسية بين الصحابة» للكاتب الموريتاني محمد المختار الشنقيطي، إلى جانب كتاب «سير أعلام النبلاء»، الذي يتناول تراجم شخصيات بارزة في التاريخ الإسلامي.

وأكدت تجربته أن القراءة والكتابة يمكن أن تشكلا مدخلاً لإعادة النظر في القناعات السابقة، ومراجعة الأفكار، والانفتاح على وجهات نظر مختلفة، بما يتيح الانتقال من الانغلاق الفكري إلى رحابة الاختلاف والتسامح والتثاقف.

القراءة.. من بناء الفرد إلى تجديد الوعي المجتمعي

عكست الشهادات المقدمة خلال الدورة الرابعة من ملتقى «شغف القراءة» تعدد المسارات التي يمكن أن تقود إلى الكتاب، واختلاف الأدوار التي يؤديها في حياة القراء؛ فمن تجربة البحث عن الكتاب وسط ظروف اجتماعية صعبة، إلى اكتشاف الذات والعالم عبر متعة القراءة، وصولاً إلى مراجعة القناعات والتحولات الفكرية العميقة.

كما أبرزت النقاشات أن العلاقة بالكتاب لا تنحصر في اكتساب المعرفة أو تحصيل المعلومات، بل تمتد إلى بناء الشخصية، وتنمية الحس النقدي، وإثارة الأسئلة، وتعزيز القدرة على فهم المجتمع والتفاعل مع قضاياه.

وفي سياق يتسم بتسارع تدفق المعلومات وتنامي حضور المنصات الرقمية، أعادت هذه الدورة طرح سؤال موقع القراءة في حياة المثقف المغربي، وشروط ترسيخها مجتمعياً، من خلال المدرسة والمكتبة والإعلام والسياسات الثقافية.

وبذلك، شكل الملتقى مناسبة للاحتفاء بتجارب قرائية مختلفة، وللتأكيد على أن الكتاب يظل رافعة أساسية لبناء الوعي الفردي والجماعي، وأن شغف القراءة لا يقتصر على فعل شخصي، بل يمكن أن يتحول إلى قوة فاعلة في إنتاج المعرفة وترسيخ قيم الاختلاف والانفتاح.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: