حكومة المنصوري.. حين تستعيد السياسة شرعيتها من التاريخ! - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الأربعاء, أكتوبر 14, 2026
مدونات الأحداث

حكومة المنصوري.. حين تستعيد السياسة شرعيتها من التاريخ!

الأحداث✍️عبد الصادق عبادة

ثمانية عشر عاما كانت كافية لكي ينتقل حزب الأصالة والمعاصرة من سؤال النشأة إلى امتحان الحكم. الحزب الذي دخل الحياة السياسية المغربية سنة 2008 وسط نقاش لم ينته حول طبيعة مشروعه ومصادر قوته، يجد نفسه اليوم في موقع قيادة الحكومة. إنها رحلة سياسية تستحق التأمل، ليس لأن حزبا تصدّر الانتخابات أمر استثنائي في حد ذاته، بل لأن وصوله إلى قمة السلطة يفتح من جديد ملف العلاقة بين صناديق الاقتراع وموازين النفوذ، وبين الشرعية التي تمنحها الانتخابات والشرعية التي تحتاج إليها السلطة لكي تقنع المجتمع بأنه أمام بداية جديدة.

فاطمة الزهراء المنصوري تقود الحكومة، لكن السؤال الذي يسبق قراءة الأسماء والحقائب هو: أي حكومة هذه؟ حكومة حزب انتصر انتخابيا ويريد أن يحكم ببرنامجه، أم حكومة ائتلافية تبحث عن توسيع قاعدتها السياسية، وربما عن استعارة شيء من شرعية الآخرين؟

هنا تبدأ الحكاية.

الأصالة والمعاصرة ليس حزبا وليد الأمس، لكنه أيضا ليس حزبا يحمل تاريخا طويلا في المعارضة أو تجربة ممتدة في الدفاع عن مشروع اجتماعي واضح. لقد صعد بسرعة في المشهد السياسي، وراكم نفوذا انتخابيا وتنظيميا، قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة. والآن، بعدما أصبح في موقع القرار، لم يعد كافيا أن يثبت قدرته على الفوز؛ عليه أن يثبت قدرته على الحكم، وأن يقنع المغاربة بأن وراء هذا الصعود مشروعا سياسيا يتجاوز تدبير المواقع وتوزيع المسؤوليات.

لكن المفارقة أن الحزب الذي تصدّر الانتخابات لم يذهب إلى الحكم وحده، بل اختار أن يحيط نفسه بأحزاب لها تاريخها ورمزيتها: الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية. وهنا يحق لنا أن نسأل: هل نحن أمام أغلبية صنعتها ضرورة الحساب البرلماني، أم أمام محاولة لتطعيم الصعود الانتخابي للأصالة والمعاصرة بجرعات من الشرعية التاريخية؟

لا أحد يجادل في أن تشكيل الحكومة يحتاج إلى أغلبية، وأن السياسة ليست درسا في الأخلاق، بل فن الممكن والتفاوض وبناء التوافقات. لكن السياسة أيضا ليست مجرد آلة حاسبة، وإلا لكان كافيا جمع المقاعد وإغلاق البرلمان إلى حين الانتخابات المقبلة. فاختيار الشركاء يحمل دائما رسالة، وتوزيع الأدوار يكشف أحيانا أكثر مما تكشفه البلاغات الرسمية.

حزب الاستقلال يحمل ذاكرة الحركة الوطنية، والاتحاد الاشتراكي يحمل ذاكرة المعارضة والانتقال الديمقراطي، والتقدم والاشتراكية يحمل مرجعية تقدمية واجتماعية. إنها أسماء ليست عادية في تاريخ المغرب السياسي. ولذلك فإن وجودها إلى جانب الأصالة والمعاصرة يمنح الأغلبية تنوعا في الصورة والخطاب، ويتيح لها أن تقدم نفسها باعتبارها ائتلافا واسعا، لا مجرد امتداد لحزب صعد بسرعة إلى قمة المشهد.

لكن هل يكفي استدعاء التاريخ لكي تُمنح الحكومة شرعية إضافية؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تنقل إلى الحكومة، بمجرد توقيع اتفاق سياسي، رصيدا راكمته عبر عقود من النضال والتجربة؟ التاريخ ليس حقيبة وزارية توضع فوق الطاولة، والشرعية ليست إرثا عائليا يتقاسمه الورثة. إنها مسؤولية تتجدد كل يوم، أو تتآكل كل يوم، بحسب ما يلمسه المواطن في حياته.

قد تكون مشاركة هذه الأحزاب ضرورة لتأمين الأغلبية، وقد تكون أيضا محاولة لتوسيع الحاضنة السياسية للحكومة. لكن من المشروع التساؤل عما إذا كان هذا التحالف سيمنح المواطنين خيارات سياسية مختلفة، أم سيمنح النخب الحزبية فرصة جديدة لإعادة ترتيب مواقعها تحت سقف واحد.

فالسياسة المغربية تعرف هذه المفارقة جيدا: تتغير الوجوه، وتتبدل المواقع، وتنتقل القيادة من حزب إلى آخر، بينما يظل المواطن يسأل السؤال نفسه: ماذا سيتغير في حياتي؟

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق حكومة المنصوري أكثر من غيره. لأن الفوز بالانتخابات يمنح الحزب حق قيادة الحكومة، لكنه لا يمنحه شهادة نجاح مسبقة. كما أن التحالف مع أحزاب ذات تاريخ سياسي لا يحول الأغلبية آليا إلى أغلبية إصلاحية. فقد تجتمع الأحزاب حول برنامج واضح، وقد تجتمع حول توزيع المسؤوليات؛ وفي الحالتين تكون الصورة متشابهة في البداية، لكن النتائج وحدها تكشف الفرق.

ثم إن استبعاد التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة، يضيف بعدا آخر إلى المشهد. نحن أمام انتقال في مركز القيادة داخل الأغلبية، لكنه لا يعني بالضرورة انتقالا في الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية للحكم. فالحكومات قد تتغير من دون أن تتغير السياسات الكبرى، وقد يتبدل الحزب الذي يمسك بالمقود بينما تظل السيارة تسير في الطريق نفسه.

لهذا لا ينبغي أن ننشغل كثيرا بمن حصل على هذه الوزارة أو تلك، قبل أن نعرف ما الذي ستفعله الحكومة بهذه الوزارات. لا يهم المواطن إن كانت حقيبة التعليم من نصيب هذا الحزب أو ذاك، بقدر ما يهمه أن تكون المدرسة العمومية قادرة على تعليم أبنائه. ولا تعنيه هوية الحزب الذي يدبر الصحة بقدر ما تعنيه كرامته حين يدخل المستشفى. ولا يهمه عدد الأحزاب التي وقّعت على ميثاق الأغلبية، بقدر ما يهمه أن يجد عملا، وأن يستطيع مواجهة الغلاء، وأن يشعر بأن السياسة ليست عالما موازيا يعيش فيه المنتخبون على إيقاع الانتخابات، بينما يعيش المواطنون على إيقاع الفواتير.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه حكومة المنصوري هو أن تعتبر الانتصار الانتخابي نهاية المعركة، بينما هو في الحقيقة بدايتها. فالأصالة والمعاصرة أمام فرصة لتجاوز الأسئلة التي رافقت نشأته، وتقديم نفسه باعتباره حزبا يمتلك مشروعا سياسيا واجتماعيا واضحا. لكنه قد يضيّع هذه الفرصة إذا اكتفى بإدارة التوازنات نفسها، مستندا إلى أغلبية واسعة وإلى شركاء يستطيع كل واحد منهم أن يبرر مشاركته باعتبارات الضرورة والتوافق.

أما أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فهي بدورها أمام امتحان لا يقل صعوبة. هل دخلت الحكومة لكي تؤثر في اتجاهها الاجتماعي والديمقراطي، أم لكي تضمن لنفسها مكانا في هندسة السلطة الجديدة؟ وهل ستوظف رصيدها التاريخي لتغيير السياسات، أم ستكتفي بتوظيفه لتبرير المشاركة فيها؟

ليس المطلوب التشكيك المسبق في النيات، بل المطالبة بأن تتحول التحالفات من اتفاقات بين القيادات إلى تعاقدات واضحة مع المجتمع. فالأغلبية التي لا يستطيع المواطن أن يرى أثرها في حياته تظل أغلبية على الورق، مهما بلغ عدد أحزابها، ومهما كانت الأسماء التي تتصدرها.

بعد ثمانية عشر عاما من التأسيس، وصل الأصالة والمعاصرة إلى رئاسة الحكومة. إنها لحظة تمنحه سلطة القرار، لكنها تضعه أيضا أمام مسؤولية الإجابة عن سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يستطيع الحزب أن ينتج شرعيته الخاصة من خلال الإنجاز، أم سيحتاج إلى الاستناد باستمرار إلى شرعيات الآخرين؟

قد تمنح الانتخابات المنصوري مفاتيح الحكومة، وقد تمنحها التحالفات أغلبية البرلمان، وقد يضفي التاريخ على الأغلبية شيئا من الرمزية السياسية. لكن لا الانتخابات ولا التحالفات ولا التاريخ تستطيع أن تدفع فاتورة المواطن، أو تخفض أسعار المواد الأساسية، أو توفر للشباب فرصة عمل.

في النهاية، لا يحتاج المغاربة إلى حكومة تعرف كيف تجمع الأحزاب بقدر ما يحتاجون إلى حكومة تعرف كيف تجمع الثقة المفقودة. والفرق كبير بين أغلبية تنجح في توزيع المقاعد وأغلبية تنجح في توزيع الأمل.

أما الشرعية، تلك الكلمة التي تبدو أحيانا أكبر من الأحزاب وأطول عمرا من الحكومات، فلا تُستعار من التاريخ، ولا تُشترى بتوقيع اتفاق، ولا تُمنح إلى الأبد بصندوق انتخابي. الشرعية الحقيقية هي أن يشعر المواطن، بعد كل هذا التغيير في الأسماء والمواقع، بأن شيئا ما قد تغير بالفعل في حياته.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال معلقا فوق حكومة المنصوري: هل نحن أمام بداية سياسية جديدة، أم أمام طبعة جديدة من السياسة القديمة؟

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: