تراب الصيني بآسفي.. حين كان الحي وطنًا صغيرًا تسكنه الذاكرة - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الثلاثاء, سبتمبر 29, 2026
مدونات الأحداث

تراب الصيني بآسفي.. حين كان الحي وطنًا صغيرًا تسكنه الذاكرة

الأحداث✍️ عبد الصادق

لم أعد أتذكر تراب الصيني كما تُرى الأحياء اليوم من علٍ؛ شوارع مستقيمة، وبيوت متراصة، ولافتات معلقة على الجدران. أتذكره من مستوى العين، من مستوى الطفل الذي كان يمشي في الزنقة وهو يعرف أن لكل باب حكاية، ولكل نافذة وجهًا مألوفًا، وأن كل منعطف يقوده إلى شخص يعرفه أو يعرف أهله.
أتذكره حيًّا، صاخبًا، مشاغبًا، ممتلئًا بالروائح والأصوات والضحكات. كان البحر قريبًا إلى درجة أن ملوحته تبدو عالقة في الجدران، وأن رائحة السمك ومعامل التصبير تتسلل مع الريح إلى الأزقة والبيوت والمقاهي. لم يكن البحر منظرًا بعيدًا، بل كان جزءًا من الحياة اليومية؛ منه يأتي الرزق، ومنه يأتي التعب، ومنه تأتي الحكايات.


كان تراب الصيني عالمًا قائمًا بذاته، رغم أنه جزء من آسفي. وكانت السكة الحديدية ومحطة القطار والرحبة ومخازن السمك ومعامل التصبير حاضرة في تفاصيل الناس، مثل الشمس والظل. وكان لصوت القطار مكانه الخاص في ذاكرة الحي؛ يمر، فيرفع الأطفال رؤوسهم، وتتوقف بعض الأحاديث لحظات، ثم تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد.
لم يكن أحد يحتاج إلى أن يرى البحر كي يعرف أنه قريب. تكفي رائحة الملح، أو حديث الرجال عن الصيد، أو حركة النساء في انتظار عودة الغائبين، لتشعر أن البحر جالس مع أهل الحي في مجالسهم، يشاركهم أفراحهم ويصغي إلى شكواهم.
لكن تراب الصيني لم يكن البحر والسكة والرحبة وحدها؛ كان أهله هم قلبه الحقيقي. كانت العائلات تمنح المكان ملامحه، وتحول الأزقة إلى خريطة بشرية تحفظها الذاكرة أكثر مما تحفظها الخرائط.


كانت هناك عائلات باݣي، خربوش، والقايد الزرهوني، ولعبادي، والحاريفي في زنقة سلا، والطيان، وبنهيمة، وعبيد، وحمدون، والأضالعي، ولحكيم، والدمني، وبريشة، وأخوانة، والمستاري، ودبوح، والمطاعي، وزيان، وعائلة المعلم الأب سي علال بكل فروعها، وبلقتيب، وبريسل، والغنبوري والجامعي، والشقوري، وبالهواري، والسعدوني، بن الشاوية، وعائلة غيبي، وبوزيد الخزامي، والحنافي، وتونزي، والمداسني… وغيرهم.
وما إن يُذكر اسم من هذه الأسماء حتى لا يبقى مجرد اسم؛ يعود معه بيت ووجه وصوت وموقف، وربما حكاية لم يعد يتذكر تفاصيلها أحد، لكن الذاكرة ما زالت تحفظ أثرها.
كانت العائلة آنذاك أكثر من رابطة دم؛ كانت عنوانًا اجتماعيًا وجغرافيًا. يعرف الناس البيت والجد والعم والأخ الذي هاجر أو سافر، ويظل الجميع حاضرًا في كلام الحي، حتى من غاب عن المكان سنوات طويلة. كان الطفل يكبر وهو يعرف الجميع تقريبًا، ويعرف أن وراء كل اسم تاريخًا صغيرًا.

أما الأزقة، فكانت خريطة الحياة اليومية، وخريطة الوجوه والأصوات والبيوت. كانت زنقة سال، وزنقة طنجة، وزنقة الصويرة، وزنقة مكناس، وصفرو والجديدة، وزنقة الورك، والدريبة المزوقة… أسماء تبدو اليوم بسيطة، لكنها في ذلك الزمن كانت عوالم كاملة.
كان لكل زنقة طبعها، ولكل واحدة أهلها وأطفالها وأبوابها وحكاياتها. كان يكفي أن يقول أحدهم: «أنا من زنقة سال»، حتى يعرف السامع من أي جهة جاء، وأي البيوت يقصد، وأي الوجوه يمكن أن تخرج إليه من الأبواب.
وكان يكفي أن يُذكر اسم زنقة الورك أو الدريبة المزوقة، حتى تتحرك في الذاكرة خطوات قديمة، وأصوات قديمة، ووجوه كنا نظن أننا نسيناها، فإذا بها ما تزال هناك، واقفة عند عتبة بيتها، تنتظر من ينادي عليها.
وكانت الدريبة المزوقة تحمل في اسمها صورة كاملة. لم تكن قيمتها في حجارتها وحدها، بل في كل ما جرى فوقها: أطفال ركضوا في أرجائها، ونساء وقفن عند الأبواب، ورجال عادوا مساءً من العمل، وأعراس مرت من هناك، وجنائز خرجت في صمت، وخصومات صغيرة انتهت قبل أن يكبر أثرها.
وفي قلب هذا العالم كانت مدرسة تراب الصيني، المدرسة التي حملت اسم الحي وجمعت البنين والبنات. لم تكن مجرد جدران وفصول، بل كانت بوابة الطفولة الأولى. إليها كان الأطفال يذهبون بدفاترهم وأقلامهم، ومنها يخرجون بصداقات العمر، وذكريات الأساتذة، ومواقف لا تمحوها السنوات.
وكانت مدرسة النهضة ذاكرة أخرى لا ينبغي أن تختلط بمدرسة تراب الصيني. كانت في زنقة الورك، وارتبطت بالتعليم الحر وبالفقيه عبد السلام المستاري، وبمرحلة كان فيها التعليم العربي والوعي الوطني حاضرين بقوة في وجدان أبناء المدينة. مدرستان متجاورتان في الذاكرة، لكن لكل واحدة منهما مكانها وحكايتها.


وكانت الوطنية في تراب الصيني تعيش في البيوت قبل أن تظهر في الكتب. يعرف الناس أسماء رجال زمن الحماية، ويتناقلون أخبار التضييق والملاحقة والاعتقال. وكانت أسماء مثل سالم بريشة، وإدريس بناصر، وعبد السلام المستاري تعود كلما استعاد الناس ذلك الزمن.
لم تكن الوطنية شعارات معلقة، بل ذاكرة عائلية وحكايات يتوارثها الأبناء عن الآباء. ومن تلك الحكايات ما ارتبط بشيخ العرب، أحمد أكوليز، الذي تقول الرواية المتداولة بين بعض أبناء الحي إنه حظي بالاستضافة في تراب الصيني. قد تتغير التفاصيل حين تنتقل الحكاية من فم إلى فم، لكن بقاءها في الذاكرة يكشف أن الحي لم يكن معزولًا عن الأحداث والرجال الذين صنعوا تاريخ المغرب.
ومع ذلك، لم يكن تراب الصيني يعيش على الحزن والعمل والتعب وحدها؛ كان للفرح صوت، وكان لذلك الصوت طريق يعرفه الجميع.
كان يكفي أن تبدأ موسيقى فرقة بريسل حتى تتغير ملامح المدينة كلها، وبخاصة في تراب الصيني. تفتح الأبواب، وتظهر الوجوه من النوافذ، ويخرج الأطفال راكضين خلف الإيقاع، وتتحول المناسبة إلى فرح جماعي.
لم تكن الموسيقى تحتاج إلى قاعة فخمة أو منصة مضاءة؛ كان البيت والساحة والزنقة مسرحًا كافيًا، وكان أهل الحي في الوقت نفسه فرقة وجمهورًا وأصحاب المناسبة.
كانت موسيقى بريسل تدخل البيوت بلا استئذان، وتحول العرس إلى حدث يخص الجميع. صوت الآلات، والإيقاع، والتصفيق والزغاريد، كلها كانت تصنع لحظات لا تنساها الذاكرة بسهولة.
وفي المقاهي، كانت الحياة تأخذ شكلًا آخر. كانت مقهى فرنسا واحدة من الأماكن التي ما زالت حاضرة في الوجدان. يجلس الرجال، وينتقل الحديث من الصيد إلى الكرة، ومن أخبار السوق إلى أخبار الناس، ومن مباراة الأمس إلى حكاية وقعت قبل سنوات.
كان المقهى وكالة أنباء شعبية؛ يأتي أحدهم بخبر، ويضيف آخر تفصيلًا، ثم يقول ثالث: «أنا أعرف القصة من أصلها»، فتبدأ الحكاية من جديد.


وكانت الحمامات جزءًا من إيقاع الحي: حمام الحاج دحمان، المعروف أيضًا بحمام مسعودة، وحمام الباشا، وحمام بوحميد، وحمام الحاج المختار الزرهوني. أسماء لم تكن مجرد أماكن، بل مواعيد اجتماعية وفضاءات للقاء. كان يوم الحمام مختلفًا عن بقية الأيام، كما كان يوم المباراة مختلفًا، ويوم العرس، ويوم عودة الصيادين.
أما لمصيلة، فكانت ملعب الأحلام. فوق ترابها تدحرجت الكرة، وهناك تخيل الصبية أنفسهم لاعبين كبارًا. ارتبط المكان بأسماء حربالة ومصطفى السوفير، وبلاعبين مثل عبد السلام الصديقي، والوافي، وعبد القادر شيبوب، وسيسو، وحسن زنطار، وبلهاشمي، والبيدرة (حميد لحبيبي).
لم يكن اللاعب آنذاك يحتاج إلى عشب أخضر أو تجهيزات كثيرة؛ كان يحتاج إلى كرة، ورفاق، وقليل من التراب، وكثير من الخيال. كان الصبي يعود من لمصيلة وقد صار في خياله نجمًا يسجل أهدافًا في مرمى لا يراه أحد سواه.
وكان البحر يراقب كل ذلك من بعيد؛ يمنح الحي رزقه وتعبه ورائحته. رجال يخرجون للصيد، ونساء ينتظرن عودتهم، وأسماك تصل إلى المخازن، وعمال يتوجهون إلى معامل التصبير. كانت آسفي مدينة البحر والعمل، وكان تراب الصيني واحدًا من الأحياء التي عاشت هذه الحقيقة بكل تفاصيلها.
وفي المساء، كان الحي يتبدل. تهدأ أصوات وتعلو أخرى. يعود الرجال من أعمالهم، وتمتلئ مقهى فرنسا بالأحاديث، وتخرج النساء إلى الأبواب، ويتجمع الأطفال في الأزقة. وإذا كانت هناك مناسبة، انتقلت الموسيقى من بيت إلى بيت، فعرف الجميع أن الليلة مختلفة.
وشكلت دار الشباب علال بن عبد الله محطة مفصلية في المشهد الثقافي والفني المحلي، حيث تجاوزت مفهوم المنشأة الشبابية التقليدية لتتحول إلى حاضنة فكرية ومدرسة نضالية صقلت الوعي الجمعي بالمنطقة.
فقد لعبت الدار دورًا محوريًا في احتضان الفرق المسرحية ورعايتها، متخذة من «أبو الفنون» وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع وترسيخ الهوية الوطنية. ومن خلال تنظيم العروض المسرحية، والأمسيات الأدبية، والورشات التدريبية في الإلقاء والتمثيل، نجحت المؤسسة في استقطاب أجيال من الشباب وتأطيرهم، متحولة إلى «مدرسة» حقيقية لتخريج الطاقات الفنية وتنمية الفكر الحر.
إن هذا التفاعل الخلاق بين خشبة المسرح ورواد الدار جعل منها منارة تنويرية حافظت على الفعل الثقافي في مدينة آسفي، وجعلت من الفن رسالة توعية ومقاومة للجمود، ومساحة حرة لبناء شخصية الشباب وتعميق ارتباطهم بتاريخهم وتراثهم.
اليوم، تغيّر كل شيء تقريبًا. اختفت بيوت، وغابت وجوه، وسكتت أصوات، وتبدلت المقاهي والملاعب والحمامات. كبر الأطفال الذين كانوا يركضون في الزناقي، وصاروا آباء وأجدادًا، وربما حملتهم الحياة إلى مدن وبلدان بعيدة، لكن الذاكرة لا تعترف تمامًا بهذا الرحيل.
في داخلنا، ما زالت مدرسة تراب الصيني تفتح أبوابها، وما زالت الدفاتر تحت أذرع الأطفال، وما زال القطار يعبر النهار بصوته القديم، وما زالت لمصيلة تستقبل الكرة، ومقهى فرنسا عامرة بالكلام، وموسيقى بريسل تصل من بعيد، وأسماء باگي وبلقتيب وبريشة والمستاري تتردد بين أسماء أهل الحي.
ما زال هناك طفل صغير لم يغادر تراب الصيني قط. غادرناه نحن بأجسادنا، لكننا لم نغادره بذاكرتنا. بقي في درب لعبادات، أو طنجة، أو الصويرة، أو مكناس، في الدريبة المزوقة، قرب المدرسة، أو وهو يركض نحو لمصيلة، أو يتبع صوت الموسيقى في عرس قديم.
ذلك الطفل لا يكبر.
وهنا يكمن سر تراب الصيني: أنه لم يبقَ في المكان فقط، بل بقي فينا.
يكفي أن نسمع اسمًا قديمًا، أو نشم رائحة البحر، أو نلتقط لحنًا يشبه ألحان الماضي، حتى تفتح الذاكرة أبوابها دفعة واحدة.
نعود إلى الحي الأول كما يعود المرء إلى بيته القديم. لا نحتاج إلى عنوان؛ يكفي أن نقول:
تراب الصيني❤️❤️.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: