الرباط: البحث الوطني الثالث حول الإعاقة يكشف إرتفاع معدل الانتشار بالمغرب إلى 8.7 في المائة

الاحداث من الرباط
كشفت النتائج الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة برسم سنة 2026، الذي تم تقديم خلاصاته مساء الخميس بالرباط، عن تسجيل معدل انتشار وطني للإعاقة بلغ 8.7 في المائة، مقابل 6.8 في المائة سنة 2014، أي بارتفاع قدره 1.9 نقطة مئوية.
ويأتي هذا الــبحث ، الذي شـرع في إنجازه منذ بداية يناير 2026، في إطار تعزيز الـمعرفة العلمية بقضايا الإعاقة بالمغرب، وتوفير معطيات دقيقة ومحينة مبنية علــى الأدلة، بما يتيح توجيه السياسات العمومية للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وتعزيز إدماجهم.
ويندرج هذا العمل ضمن الدينامية التي تعرفها المملكة، تحت القيادة الرشـيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والرامية إلى ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، وتعزيز العدالة المجالية والمساواة في الولوج إلى الحقوق والخدمات، وضمان المشاركة الكاملة والفعالة للأشخاص في وضعية إعاقة باعتبارهم فاعلين وشركاء في التنمية.
ويتم إنجاز البحث الوطني حول الإعاقة بصفة دورية كل عشر سنوات، بالتزامن مع الإحصاء العام للسكان والسكنى، ويستند إلى مرجعية دستورية وقانونية وحقوقية متكاملة، تجعل من إنتاج المعطيات حول الإعاقة إحدى الآليات الأساسية لفهم الواقع وتقييم السياسات العمومية.
وتشكل مقتضيات دستور المملكة إحدى الركائز الأساسية لهذه المرجعية،مـن خلال تكريس مبادئ المساواة وعدم التمييز و الحقوق والحريات، إلى جانب الفصل 34 الذي يحمل السلطات العمومية مسؤولية وضع وتنفيذ سياسات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، بما ييسر مشاركتهم الكاملة والفعالة في مختلف مناحي الحياة المجتمعية.
وقد تم إعداد البحث الوطني الثالث حول الإعاقة في إطار مسار مؤسساتي وعلمي وتشاركي، بمشاركة مؤسسات وطنية وخبرات متخصصة، بما وفر شروطا ملائمة لضمان جودة مختلف مراحل العملية.
وأوضح عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة المكلف بالإدماج الاجتماعي، خلال ندوة صحافية عقدت بهذه المناسبة، أن هذا البحث يأتي بعد 12 سنة من آخر بحث وطني، مشيرا إلى أن ارتفاع المؤشر لا يعكس بالضرورة ارتفاعا فعليا في حجم الإعاقة فقط، وإنما يرتبط أيضا بتحسن القدرة الإحصائية على الرصد والقياس، بفضل اعتماد منهجية موسعة وأدوات قياس أكثر دقة ترصد الصعوبات الوظيفية والحالات الأقل ظهورا.
وأكد السيد الرشيدي أن إنجاز هذا البحث تم بدعم ومساهمة عدد من المؤسسات الوطنية والخبرات، ولا سيما المندوبية السامية للتخطيط، معتبرا أن الدعم التقني والمنهجي والتعبئة الميدانية لهذه المؤسسات أسهما في إنجاز العملية وإخراج نتائجها.
وشملت العينة 20 ألفا و412 أسرة، فيما تمت تعبئة 236 باحثا ميدانيا ضمن 47 فريقا، ولم تتجاوز نسبة رفض المشاركة من طرف الأسر 2 في المائة، وهو ما اعتبر مؤشرا على جودة العملية ومصداقية وتمثيلية نتائجها.
واعتمد البحث، لأول مرة، أدوات متطورة لجمع المعطيات بشكل آني، كما استفاد من أدوات مجموعة واشنطن لإحصاءات الإعاقة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) الخاصة بتقييم الأطفال، وهو ما أتاح توسيع الاستبيان إلى أكثر من 300 سؤال، وإدراج قضايا ومجالات لم تكن مشمولة بالصيغة السابقة، من بينها طيف التوحد والاضطرابات العصبية.
وتحدد الغاية من البحث في خمسة أهداف رئيسية، تشمل تحيين مؤشرات انتشار الإعاقة، ورصد ظروف عيش الأشخاص في وضعية إعاقة ومدى تمتعهم بحقوقهم، وتحديد العوائق التي تحول دون استفادتهم منها، وتقييم مستوى ولوجهم إلى الخدمات العامة، فضلا عن توفير أرضية تساعد على بناء سياسة عمومية مندمجة في هذا المجال.
وأظهرت النتائج أن حوالي 29 في المائة من الأسر المغربية معنية بوضعية الإعاقة، أي ما يقارب أسرة واحدة من كل ثلاث أسر، مقابل نحو أسرة واحدة من كل أربع أسر سنة 2014.
كما سجل البحث معدل 2.3 في المائة بالنسبة للإعاقة الشديدة على المستوى الوطني، مع وجود تفاوتات مجالية وديموغرافية ملحوظة.
وأبرزت المعطيات أن الإعاقة تتزايد مع التقدم في السن، إذ بلغت نسبتها لدى المسنين والشيوخ حوالي 26 في المائة، كما أظهرت النتائج أن النساء أكثر عرضة للإعاقة مقارنة بالرجال.
وعلى المستوى الجهوي، تراوحت نسب انتشار الإعاقة بين 14.2 في المائة بجهة بني ملال-خنيفرة و2.4 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، فيما أظهرت الخريطة الجهوية للإعاقة الشديدة أنها لا تتطابق بالضرورة مع نسب الانتشار العامة، وهو ما يبرز الحاجة إلى توجيه البرامج وتكييفها وفقا للاحتياجات المحلية الخاصة بكل جهة.
وفي ما يتعلق بالتشخيص، أظهرت النتائج أن 29.7 في المائة فقط من الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على تشخيص طبي، بينما تمثل الأمراض غير الوراثية والحالة الصحية الأسباب الرئيسية للإعاقة بنسبة تتجاوز 56 في المائة.
وبخـصوص الحـماية الاجتماعية والتغطية الصــحية، بلغت نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة المشمولين بالتغطية الصحية حوالي 63 في المائة، غير أن 65.6 في المائة منهم صرحوا بأن مصاريف الأدوية لا تزال تتحملها أسرهم، بما يعكس استمرار العبء المالي المرتبط بالتكفل الصحي.
وفي مجال التعليم، أظهرت المعطيات أن رفض التسجيل بسبب الإعاقة يمثل العائق الأول أمام الولوج إلى المدارس بنسبة 42.4 في المائة، يليه عجز الأسر عن توفير المرافقة بنسبة 26.9 في المائة.
كما بلغ معدل تمدرس الأطفال ذوي الصعوبات الوظيفية في الفئة العمرية بين 6 و17 سنة نحو 65 في المائة.
أما في مجال التشغيل، فلم تتجاوز نسبة التشغيل الإجمالية للأشخاص في وضعية إعاقة 12.7 في المائة، مع تفاوت واضح بين الجنسين، إذ بلغت النسبة 23 في المائة لدى الرجال مقابل 4 في المائة فقط لدى النساء.
وتبرز النتائج كذلك استمرار تحديات الولوجيات والنفاذ الرقمي، إذ لا يلج سوى 20 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة إلى شبكة الإنترنت، رغم توفر الأغلبية منهم على هواتف محمولة.
وفي هذا السياق، أفادت المعطيات بأن 43.9 في المائة من الأشخاص المعنيين يرون أن نقص الولوجيات يحد من مشاركتهم في الحياة اليومية والمجتمعية، فيما يحتاج 40 في المائة منهم إلى مرافقة منتظمة، سواء في المنزل أو في العمل، بينما يواجه 34.2 في المائة صعوبة في دخول المسكن دون مساعدة.
وتؤكد هذه المؤشرات أن محدودية الولوجيات لا تقتصر آثارها على الحركة والتنقل، بل تمتد إلى مختلف جوانب المشاركة في الحياة اليومية والمجتمعية.
وفي ما يتعلق بانتظارات الأشخاص في وضعية إعاقة، خلص البحث إلى وجود رغبة متزايدة في الانتقال من الحقوق المقررة نظريا إلى ممارسة فعلية وملموسة، حيث تصدرت المجانية في العلاجات قائمة المطالب بنسبة تفوق 77 في المائة، إلى جانب توفير المنح المدرسية والمرافقين لتيسير تمدرس الأطفال، وتفعيل حصة التشغيل المنصوص عليها قانونا لتعزيز الإدماج المهني.
ويعكس هذا المعطى، وفق الخلاصات المقدمة، تحولا في الطلب الاجتماعي نحو تعزيز استقلالية الأشخاص في وضعية إعاقة وضمان كرامتهم ومشاركتهم الفعالة في مختلف مناحي الحياة والتنمية.
وشهدت الندوة الصحافية حضور ممثلي وكالات الأمم المتحدة والتعاون الإسباني، إلى جانب شخصيات برلمانية وأطر من الوزارة وممثلي مؤسسات عمومية ساهمت مؤسساتيا في إنجاز البحث، فضلا عن ممثلي جمعيات تنشط في مجال الإعاقة.