الدخول المدرسي 2026-2027: حين يصبح تعليم الأبناء امتحاناً لقدرة الأسرة. - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الأربعاء, أغسطس 26, 2026
اسرة و مجتمع

الدخول المدرسي 2026-2027: حين يصبح تعليم الأبناء امتحاناً لقدرة الأسرة.

الاحداث- المهدي العلمي الإدريسي

مع اقتراب الدخول المدرسي للموسم 2026-2027، تستعد الأسر المغربية لاستقبال سنة دراسية جديدة، لكن ليس الجميع يستقبلها بالفرحة نفسها. فبالنسبة إلى بعض الأسر، يتعلق الأمر باقتناء المحافظ والكتب والدفاتر والملابس والأحذية وتدبير مصاريف النقل والدروس الإضافية، بينما تتحول هذه المناسبة بالنسبة إلى أسر أخرى إلى حسابات دقيقة تبدأ بالسؤال: كيف سنوفر لأبنائنا حاجياتهم المدرسية دون أن نثقل كاهل الأسرة بما يفوق قدرتها؟

وقد حددت وزارة التربية الوطنية الانطلاقة الفعلية والإلزامية للدراسة في جميع الأسلاك والمستويات يوم 7 شتنبر 2026، بعد التحاق التلاميذ تدريجياً بالمؤسسات التعليمية ابتداءً من 3 شتنبر.

غير أن الدخول المدرسي ليس مجرد تاريخ في التقويم الوزاري، بل هو أيضاً مرآة تعكس واقع المجتمع وتفاوتاته الاجتماعية والاقتصادية.

أسرة معوزة أمام مصاريف لا تنتهي

في الأحياء الشعبية والقرى والمناطق الهشة، توجد أسر كثيرة تنتظر الدخول المدرسي بقلق حقيقي. فرب الأسرة محدود الدخل قد يجد نفسه أمام عدة أبناء في سن التمدرس، وكل واحد منهم يحتاج إلى مستلزمات مختلفة.

قد تكون المحفظة القديمة ما تزال صالحة، لكن الطفل يريد محفظة جديدة مثل زملائه. وقد تكون ملابس العام الماضي قابلة للاستعمال، لكن الطفل يكبر بسرعة. وهناك الكتب والدفاتر والأدوات المدرسية، فضلاً عن النقل والإطعام، وربما مصاريف الدروس الإضافية.

وهكذا يصبح شهر شتنبر بالنسبة إلى الأسرة المعوزة أشبه بامتحان جديد للقدرة على الصمود.

المشكلة لا تكمن فقط في قيمة المصاريف منفردة، وإنما في تراكمها. فمبلغ صغير هنا وآخر هناك يمكن أن يتحول في نهاية المطاف إلى عبء ثقيل على ميزانية أسرة بالكاد تستطيع توفير حاجياتها الأساسية.

المفارقة الاجتماعية: التعليم أيضاً أصبح مجالاً للتفاوت

في الجهة الأخرى من المشهد، نجد أسرًا قادرة على تسجيل أبنائها في المدارس الخصوصية، ودفع واجبات شهرية، واقتناء أجود المستلزمات، وتوفير النقل المدرسي والدروس الإضافية.

ومن حق كل أسرة، بطبيعة الحال، أن تختار المؤسسة التعليمية التي تراها مناسبة لأبنائها وفق إمكاناتها وقناعاتها.

لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول اختيار المدرسة الخصوصية من قرار تربوي إلى وسيلة للتباهي والاستعراض الاجتماعي؛ عندما يصبح الحديث عن المدرسة التي يدرس فيها الأبناء جزءاً من استعراض المكانة الاجتماعية، وكأن قيمة الطفل أو مستقبله تقاس بسعر المؤسسة التي يدرس فيها.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: أسرة قد لا تجد ما يكفي لشراء اللوازم المدرسية الأساسية، بينما تنظر أسرة أخرى إلى التعليم من زاوية المظاهر والامتياز الاجتماعي.

التعليم العمومي ليس تعليماً للفقراء

ومن المهم ألا نقع في خطأ اختزال التعليم العمومي في كونه خياراً اضطرارياً للفئات محدودة الدخل.

فالمدرسة العمومية ملك للمجتمع، ودورها يتجاوز تقديم الدروس إلى بناء المواطن وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص. كما أن نجاح عدد من التلاميذ في ظروف اجتماعية صعبة يثبت أن التفوق ليس حكراً على من يدرسون في المؤسسات الخصوصية.

بل إن الوزارة نفسها احتفت في يوليوز 2026 بتلاميذ متفوقين حققوا نتائج متميزة رغم تحديهم لظروف صعبة، في تأكيد على قيم الاستحقاق والإنصاف وتكافؤ الفرص.

المطلوب إذن ليس شيطنة التعليم الخصوصي ولا تمجيد التعليم العمومي بشكل أعمى، وإنما الدفاع عن مبدأ أساسي: يجب ألا تتحول جودة التعليم إلى امتياز مرتبط فقط بالقدرة المالية للأسرة.

المدرسة العمومية مسؤولية الجميع

إذا كانت الدولة مطالبة بمواصلة إصلاح المدرسة العمومية والرفع من جودتها، فإن المجتمع بدوره مطالب بإعادة الاعتبار لها.

فالمدرسة العمومية التي تستقبل أبناء العامل البسيط والموظف والمهن الحرة والفلاح وغيرهم، ينبغي أن تكون فضاءً حقيقياً لتكافؤ الفرص، لا فضاءً يشعر فيه الطفل الفقير بأنه أقل قيمة من غيره.

كما أن دعم الأسر المعوزة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره صدقة، بل استثماراً في مستقبل المجتمع. وكل طفل يحافظ على مقعده الدراسي هو مشروع مواطن، وكل تلميذ يتمكن من متابعة دراسته رغم ظروف أسرته الصعبة هو مكسب للمغرب كله.

ولهذا تكتسي خدمات مثل الإيواء والإطعام والنقل المدرسي أهمية خاصة في الحد من صعوبات التمدرس، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال المنحدرين من الأسر الهشة والمناطق البعيدة. وقد أعلنت الوزارة في يوليوز 2026 عن تمديد فترة إيداع طلبات الاستفادة من هذه الخدمات برسم الموسم الدراسي 2026-2027.

لنجعل الدخول المدرسي مناسبة للتضامن لا للاستعراض

ربما حان الوقت لكي نعيد النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع الدخول المدرسي.

فبدلاً من أن يكون مناسبة للتفاخر بالمؤسسة التعليمية الأغلى، يمكن أن يكون مناسبة للتضامن: أسرة تساعد أسرة، وجمعية تجمع اللوازم لفائدة الأطفال المحتاجين، وتلميذ يهب محفظته القديمة لمن يحتاج إليها، ومؤسسة تربوية تشجع على إعادة استعمال الكتب واللوازم الصالحة.

الأجمل أن يتعلم أبناؤنا أن قيمة الإنسان لا تقاس بثمن ملابسه، ولا بنوع هاتفه، ولا باسم المدرسة التي يدرس فيها، وإنما بعلمه وأخلاقه واجتهاده وقدرته على خدمة مجتمعه.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: