الاحداث Alahdat.net
بقلم: ياسر مزواري / فاعل مدني، باحث في الشؤون السياسية والاجتماعية
حين نذكر سينما ريكس أو النجاح أو ميامي، وفندق سامير، والمسبح البلدي، والمعامل التي اشتغل فيها آباؤنا وأبناء مدينتنا، فإننا نستعيد شيئاً من حياة المحمدية. خلف كل اسم وجوه ومهن ولقاءات، وأسر ارتبط عيشها بمؤسسة، وشباب وجدوا في نادٍ أو ملعب أو قاعة سينما مكاناً لهم. لذلك يصعب أن ننظر إلى اختفاء بعض هذه الفضاءات، أو تعطل وظائفها، باعتباره مجرد تغيير في شكل المدينة.
و من المـهم أن نستحضر هذه الذاكرة بما تستحقه من عناية، وأن نسأل عمّا يمكن أن تقدمه لحاضرنا. كيف استطاعت المدينة أن تجمع الصناعة والسياحة والثقافة والرياضة؟ وما الذي حافظنا عليه من هذا التنوع؟ ولماذا أصبحت بعض المرافق التي كانت جزءاً من حياة السكان موضوع انتظار طويل، بينما لم يبق من أخرى سوى الاسم والصورة؟
تبدأ الحكاية من فضالة، من القصبة وأبوابها وأزقتها، والجامع الأبيض، والفنادق التجارية القديمة ومخازن الحبوب، وسوق السمك الذي يصل المدينة ببحرها. وتوثق الدراسات التاريخية سوقاً كان ينعقد أيام الأحد شمال القصبة، يقصده فلاحو المحيط. هنا تشكلت علاقات بين البحر والبادية والتجارة، قبل أن تتسع المدينة وتتنوع وظائفها. وحماية هذا الرصيد تقتضي العناية بالمباني وبالأنشطة التي تمنح المكان حياته، وبالسكان والتجار والحرفيين الذين يحفظون استمراره.
وفي تاريخها العمراني، خسرت المحمدية معالم كان يمكن أن تظل شاهدة على مراحل نموها. المحطة القديمة للقطار، والقنطرة المعروفة بالبرتغالية، وفيلا «السكينة» بحي لاكولين، من المباني والمنشآت التي شهد سكان المحمدية على اختفاءها. ولكل واحدة منها قيمة تتجاوز شكلها: المحطة مرتبطة بالسفر والعمل والعودة، والقنطرة بالتنقل، والفيلات القديمة بصورة عمرانية كانت للحديقة والأشجار فيها مساحة معتبرة. ويظل خزان الماء القديم بحي بيل ڤو، الذي يرد مشروعه في أعمال المهندس إدواردو توروخا سنة 1956، مثالاً على معالم تستحق الدراسة والتثمين.
وامتدت الخسارة إلى الواجهة السياحية والمعمارية للمدينة. هدم فندق وكازينو ميرامار، و هدم عمارة براسري دي بارك قبل ذلك، يفرضان سؤالاً عن موقع التراث في قرارات التعمير. متى تُدرس قيمة البناية؟ ومن يدافع عنها قبل أن تصبح إزالتها أمراً واقعاً؟ فالمدينة تحتاج إلى التجديد، وتحتاج أيضاً إلى قواعد تجعل هذا التجديد يحترم شخصيتها وتاريخها.
وتوجد تجارب تسمح بالتفكير في إمكانات أخرى. ففندق سامير مر بإعادة تأهيل وتغييرات في التسمية وصولاً إلى «أفانتي»، كما عرف «السفينكس» إعادة تأهيل وافتتاحاً جديداً سنة 2016. تختلف ظروف هذه المؤسسات ومساراتها، لكنها تبيّن أن البناية القديمة يمكن أن تواصل أداء وظيفة اقتصادية، وأن الحفاظ على بعض خصائصها قد يمنحها قيمة إضافية.
وللمحمدية ذاكرة بحرية تستحق بدورها مساحة أوسع. مانسمان، مونيكا، السابليط، بالوما، وميناء النزهة، أسماء ترتبط بالاصطياف وبعلاقة السكان والزوار بالساحل. أما لافاليز، فلها مكانتها عند هواة الصيد بالقصبة والمشي وتأمل البحر. وقد عرف الولوج إليها جدلاً في مراحل مختلفة، كما نُقلت شكاوى بشأن العناية بها. استحضار هذه الفضاءات يضع أمامنا مسؤولية حماية الساحل، وتنظيم استعماله، والحفاظ على إمكان استفادة الناس منه في ظروف مناسبة.
وفي قلب هذه المدينة الساحلية قامت مدينة أخرى للعمل والإنتاج. سامير، وإيكوما، وسترافور، والمطاحن الكبرى، أسماء ارتبطت بأجيال من العمال والتقنيين والأسر. وإلى جانبها، معمل الآجور والقرميد بفضالة، وگورڤينيك للصناعات المعدنية، و سيفان للتبريد والصناعات الغذائية، وبليدا للشوكولاتة، ومعامل التصبير مثل ماريكا وبينمار وسوپيكو، ومؤسسات للنسيج منها تليما، ومدابغ ديليكلوز، ومطبعة المحمدية. هذه الأسماء تكشف اتساع القاعدة الصناعية التي عرفتها المدينة.
ولم تعرف هذه المؤسسات جميعها المصير نفسه؛ فمنها ما توقف، ومنها ما تغيرت ملكيته أو نشاطه. لذلك يحتاج تاريخها إلى توثيق دقيق، يشمل أيضاً شهادات العاملين فيها. كيف تعلموا المهنة؟ وكيف تغيرت ظروف العمل؟ وما الذي تركته هذه المؤسسات في الأحياء والحياة الاجتماعية؟ ذاكرة العمال جزء أساسي من تاريخ المحمدية، ومن حقهم أن يجدوا مكانهم في روايتها.
وتبقى سامير محطة خاصة، منذ ارتباط إطلاق مشروعها بتسمية المدينة بالمحمدية سنة 1960، إلى توقف إنتاج المصفاة في غشت 2015. هذا المسار يحمل سؤالاً وطنياً ومحلياً عن الصناعة والخبرة وفرص العمل. والدرس الذي ينبغي أن نحمله إلى المستقبل هو حاجة المحمدية إلى اقتصاد متنوع، يستثمر كفاءاتها وموقعها ومؤسسات تكوينها، ويمنح الشباب فرصاً فعلية، مع حماية صحة السكان والبيئة.
وبموازاة العمل، كانت للمدينة فضاءات للفرجة واللقاء. ريكس والنجاح وميامي جزء من هذه الذاكرة. و على سبيل المثال في سنة 2013، نُقلت مسابقة محمد الركاب للفيلم القصير من دار الثقافة بالمحمدية إلى الدار البيضاء بسبب عدم ملاءمة التجهيز الصوتي. واقعة تختصر مشكلة تتكرر: وجود بناية ثقافية لا يكفي، إذا غابت التجهيزات والصيانة وشروط استقبال الأنشطة والجمهور.
واليوم، يستدعي وضع مسرح عبد الرحيم بوعبيد ودار الثقافة محمد بلعربي العلوي والخزانة الوسائطية ودار الشباب العربي مساءلة واضحة. فالبنايتان تعانيان من مشاكل الإهمال والحراسة والصيانة، بينما سبق أن تضمن جدول أعمال المجلس الجماعي في ماي 2024 مشروع اتفاقية لتأهيل المركب الثقافي. أين وصل التنفيذ؟ ومتى تستعيد هذه الفضاءات وظيفتها ببرنامج منتظم للعروض والقراءة والتشكيل والسينما والموسيقى؟
أما الذاكرة الرياضيــة، فتحمل أسماء ومؤسسات وفضاءات صنـعت للمحمدية حضوراً يتجاوز حدودها. شباب المحمدية و اتحاد المحمدية وملعب البشير ، وأحمد فرس وعسيلة و الرعد وأجيال اللاعبين والمؤطرين، جزء من هذا الرصيد. ويظل لقب البطولة الذي أحرزه الشباب سنة 1980 محطة بارزة، إلى جانب تاريخ التنافس المحلي الذي يستحق هو الآخر أن يُحفظ. وفي التفاصيل الصغيرة ما يمنح هذه الذاكرة دفئها؛ مثل الشهادة التي تستحضر لقاءات فرس بأصدقائه، ومنهم عسيلة والطاهر الرعد، في مقهى «لاگوفريت». فالمدينة تعيش أيضاً في مقاهيها وصداقاتها ومواعيد أهلها.
وتتسع هذه الذاكرة للنادي البحري والقاعدة البحرية، والتنس والغولف والفروسية والرماية، ولمركب سامير الرياضي الذي احتضن افتتاح مدرسة سوسيو رياضية سنة 2014. وما يهم اليوم هو مقدار استفادة أبناء المدينة من هذا الرصيد: هل يجد الطفل فرصة لتعلم السباحة أو الرياضات البحرية؟ وهل تتوفر الموهبة على التأطير والاستمرار، بصرف النظر عن قدرة أسرتها المادية؟
ويجسد المسبح البلدي صعوبة ضمان هذا الاستمرار. فقد أُنجز بمناسبة الألعاب المتوسطية سنة 1983، وعرف فترات إغلاق طويلة، ثم أعيد افتتاحه في يوليوز 2018، قبل أن يعود الى الاغلاق. لذلك ينبغي أن تكون الصيانة والتشغيل والتأطير جزءاً من أي قرار لإعادة فتحه، بميزانية ومسؤولية واضحتين، حتى يستفيد منه الأطفال والشباب على نحو مستقر.
وللحدائق نصيبها من ذاكرة العيش. البارك، وحديقة 18 نونبر، وحديقة المصباحيات ومركبها الرياضي والترفيهي، ينبغي أن تحضر في تصور واحد للحق في الفضاء العمومي، مع احترام خصوصية كل موقع. وتكتسي المصباحيات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأحياء المحيطة بها؛ فالعناية بصورة المحمدية يجب أن تشمل الأماكن التي يقضي فيها السكان حياتهم اليومية، وأن تمتد إلى العالية ومختلف أحياء المدينة.
ولا تكتمل الذاكرة من دون المدارس والمعلمين والجمعيات. فمدرسة جاك هيرسان، بتاريخها والشهادات عن تجربتها، تفتح باباً لكتابة ذاكرة التعليم بالمدينة، كما تفتح كنيسة سان جاك باب التعريف بجانب من تنوع موروثها المعماري والديني. ونحتاج بالقدر نفسه إلى جمع تاريخ المدارس العمومية، ودور الشباب، والفرق والجمعيات والأحياء، حتى يجد مختلف أبناء المحمدية أنفسهم داخل هذه الرواية.
هذه الذاكرة تحتاج إلى عمل منظم. يمكن أن تبدأ الجماعة، بشراكة مع الجامعة والجمعيات والمهنيين، بجرد المواقع وتحديد حالتها وقيمتها وإمكانات حمايتها، مع جمع الصور والوثائق وشهادات السكان. ويستحق هذا الرصيد فضاءً دائماً لذاكرة المدينة، وأرشيفاً رقمياً متاحاً، ومسارات تعريفية يكتشف من خلالها التلاميذ تاريخ الأماكن التي يمرون بها كل يوم.
ثم يأتي الأهم: ترجمة المعرفة إلى قرارات. حماية ما يستحق الحماية، وإعادة استعمال ما يمكن تأهيله، وضمان تشغيل المرافق الموجودة، وتوفير خدمات جديدة في الأحياء المحتاجة إليها. لكل مشروع تمويل معلوم، وجهة مسؤولة، وأجل للتنفيذ، وبرنامج يضمن استمرار الانتفاع به.
ما أتمناه صادقا هو أن يجد أطفال المحمدية ما يصنعون به ذكرياتهم هم أيضاً: قاعة يشاهدون فيها أول فيلم، ومسبحاً يتعلمون فيه السباحة، ومكتبة يدرسون فيها، وحديقة يلتقون فيها، ومؤسسة تفتح لهم باب العمل. عندها نكون قد حفظنا من الماضي ما يساعدنا على بناء المستقبل، ومنحنا ذاكرة المحمدية مكانها في حاضرها.

