الأحداث/ محمد طويل
ليست كل الصور مجرد لحظات عابرة توثقها عدسات الكاميرات، فبعض المشاهد تختزل رسائل عميقة، وتفتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع المسؤول بالمواطن. ومن بين هذه المشاهد، برز عامل إقليم طانطان، عبد الله شاطر، في لقطة إنسانية وهو يجلس على الأرض إلى جانب المواطنين، بعيداً عن الصورة التقليدية التي يفرضها البروتوكول ومظاهر المسؤولية الرسمية.
مشهد قد يبدو بسيطاً في تفاصيله، لكنه يحمل دلالات رمزية تستحق التوقف عندها؛ فالمسؤولية، في جوهرها، ليست امتيازاً يمنح صاحبه مسافة إضافية عن المواطنين، ولا منصباً يفرض الحواجز بينهم وبينه، وإنما هي تكليف يقتضي الحضور والإنصات والتفاعل مع انتظارات الساكنة وانشغالاتها.
إن جلوس المسؤول إلى جانب المواطنين، على مستوى واحد، بعيداً عن مظاهر الرسمية، يبعث برسالة مفادها أن التواصل الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى مكاتب فخمة أو اجتماعات مغلقة، بل يبدأ أحياناً من لحظة إنصات صادقة، ومن استعداد فعلي للاستماع إلى صوت المواطن دون حواجز.
ولعل القيمة الأبرز في مثل هذه المشاهد تكمن في ما تطرحه من أسئلة حول مفهوم السلطة الترابية القريبة من المواطن: هل يستطيع المسؤول أن يجعل بابه مفتوحاً أمام الجميع؟ وهل تتحول لحظات التواصل إلى آليات منتظمة لمعالجة المشاكل؟ وهل تجد مطالب المواطنين طريقها من فضاء الإنصات إلى أرضية التنفيذ والنتائج؟
إن طانطان، كما باقي الأقاليم المغربية، تحتاج إلى مسؤولية ميدانية لا تكتفي بالحضور في المناسبات، بل تجعل من التواصل المستمر والإنصات لانشغالات الساكنة مدخلاً أساسياً لتجويد الخدمات وتحقيق التنمية المحلية.
ومن هنا، فإن المشهد الذي ظهر فيه عامل الإقليم عبد الله شاطر يفتح المجال أمام استحضار قيمة التواضع في تدبير الشأن العام، ويذكر بأن احترام المواطن والاقتراب منه ينبغي ألا يكونا مجرد سلوك عابر، بل ثقافة مؤسساتية تترجمها الممارسة اليومية والقرارات الملموسة.
فالمسؤول قد يغادر منصبه يوماً، وقد تتغير الكراسي والمواقع، لكن ما يبقى في ذاكرة المواطنين هو أثر المسؤول في حياتهم، ومدى استجابته لانتظاراتهم، وقدرته على تحويل الإنصات إلى حلول، والتواصل إلى نتائج.
في النهاية، قد لا يحتاج المواطن إلى مسؤول يجلس فوق كرسي مرتفع، بقدر ما يحتاج إلى مسؤول لا يتردد في الاقتراب منه، والاستماع إليه، والتفاعل مع قضاياه.
عبد الله شاطر في مشهد من طانطان.. صورة تختزل رسالة إنسانية، وتعيد طرح سؤال جوهري: متى يصبح القرب من المواطن ثقافة دائمة في تدبير شؤون المغاربة، لا مجرد لحظة تلتقطها الكاميرات؟

