الأحداث✍️عبد اللطيف أبوربيعة
لم تدم طويلاً فرحة الجزائر بالفيتو الروسي داخل مجلس الأمن، بعدما اعتقدت أن إسقاط مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية يمثل انتصاراً سياسياً يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. فسرعان ما جاء بلاغ الديوان الملكي، الصادر يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، ليضع التطورات الأممية في سياق مختلف، ويعلن انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة في تدبير ملف وحدته الترابية، عنوانها القطع مع منطق الانتظارية وإعادة طرح مستقبل المسار الأممي برمته..
فبينما كانت الأنظار الجزائرية تتجه إلى الموقف الروسي باعتباره عرقلة لمشروع القرار الأمريكي، حملت نتائج التصويت مفارقة لافتة؛ إذ لم يتمكن مجلس الأمن من اعتماد المشروع الأمريكي بسبب الفيتو الروسي، كما لم يحظ المشروع الروسي البديل بالأصوات التسعة المطلوبة، لتجد بعثة المينورسو نفسها أمام انتهاء ولايتها دون قرار جديد يمدد مهمتها..
وهنا برز الموقف المغربي الذي عبّر عنه بلاغ الديوان الملكي، باعتبار عدم تمديد مهمة البعثة تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة..
لقد وضع البلاغ الملكي النقاط على الحروف، حين أكد أن عدم تمديد مهمة المينورسو ينبغي أن يعني انتهاء وجودها بالأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة، معتبراً أن صفحة عمرها 35 سنة قد طُويت، وأن استمرار إحالة الملف على مجلس الأمن لم يعد له ما يبرره من وجهة نظر المغرب..
والأهم في هذا الموقف ليس فقط ما يتعلق بمستقبل البعثة الأممية، بل ما يحمله من رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة: المغرب لم يعد ينظر إلى تدبير قضية الصحراء بمنطق الحفاظ على الوضع القائم، وإنما بمنطق الانتقال إلى مرحلة جديدة، قوامها تثبيت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الذي يدعو المغرب إلى اعتماده لحل النزاع.
أما الرهان على الفيتو الروسي باعتباره ورقة رابحة للجزائر وجبهة البوليساريو، فيحتاج إلى قراءة أكثر واقعية. فروسيا، وإن نجحت في إسقاط المشروع الأمريكي، لم تنجح في تمرير مشروعها البديل، الذي لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل امتناع 11 عضواً. وهو ما يكشف أن عرقلة مشروع لا تعني بالضرورة امتلاك بديل يحظى بالدعم الدولي..
وفي المقابل، فإن المشروع الأمريكي الذي أسقطه الفيتو الروسي كان قد حظي بتأييد 11 عضواً من أصل 15، وتضمن اعتماد مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، وهو معطى سياسي لا يمكن تجاهله عند قراءة موازين المواقف داخل مجلس الأمن..
الرسالة الأبرز في بلاغ الديوان الملكي هي أن المغرب يريد الانتقال من مرحلة إدارة نزاع استمر لعقود إلى مرحلة جديدة من التعامل معه، مستنداً إلى ما يقول البلاغ إنه دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما أن تزامن هذا التطور مع تخليد عيد الوحدة يضفي على الموقف بعداً رمزياً وسياسياً، خصوصاً أن البلاغ أعلن تمسك المملكة بوقف إطلاق النار وبأمنها الوطني، بالتوازي مع مواصلة تحركاتها الدبلوماسية..
الخلاصة أن الفيتو الروسي لم يمنح الجزائر ما كانت تنتظره من حسم سياسي، حتى جاء بلاغ الديوان الملكي ليعلن بوضوح أن الرباط تريد فتح صفحة جديدة، عنوانها تجاوز منطق الانتظارية وإعادة ترتيب مسارات التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية.
إنها ريمونتادا دبلوماسية ملكية مغربية في مواجهة فرحة جزائرية لم تدم إلا دقائق معدودات..

