الاحداث Alahdat.net
بقلم ياسر مزواري /فاعل مدني، باحث في الشؤون السياسية و الاجتماعية
كلما إنطلقت أشغال جديدة فـي المحمدية لتأهيل الطرق أو تحسين البـنية التحتية ، يطرح السكان الـسؤال نفسه : هل ستـصل هـذه الأشغال إلـى أحيائهم فـعلاً ، أم سيبقى نصيبهم منها محدوداً ؟ وهو سؤال مشروع، لأن قيمة التأهيل تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، وفي قدرة السكان على الاستفادة منه بالقرب من بيوتهم.
بصفتي واحداً من أبناء المحمدية، أرى أن الاهتمام بالشوارع الرئيسية ينـبغي أن يمـتد إلــى الأزقة والأرصفة ومحيط المدارس والفضاءات المشتركة داخل الأحياء. فالطريق الذي يسلكه المواطن يبدأ من باب منزله، ومن الصعب أن يشعر بتحسن متكامل إذا ظل الرصيف القريب منه متضرراً، أو بقيت مياه الأمطار تتجمع في المسار الذي يعبره أبناؤه كل يوم.
لا أحد ينكر أهمية إصلاح المحاور الكبرى، فهي تسهّل الحركة وتربط أجزاء المدينة. لكن ذلك لا يعفينا من مساءلة ترتيب الأولويات: كيف تُختار المشاريع؟ وما المعايير التي تحدد الأحياء التي تحتاج إلى تدخل أولاً؟ فقد تكون معالجة نقطة لتجمع المياه، أو إصلاح ممر قرب مدرسة، أكثر إلحاحاً للسكان من أشغال واسعة لا تمس حاجاتهم المباشرة.
في العالية، كما في غيرها من أحياء المدينة، يطرح تأهيل الطرق والأزقة سؤال جودة الأشغال ومدة صمودها. فتعبيد الطريق ينبغي أن يواكبه الاهتمام بتصريف المياه والتنسيق مع التدخلات المتعلقة بالشبكات، حتى لا نعود إلى الحفر والإصلاح بعد فترة قصيرة. ومن حق السكان أن يعرفوا ما أُنجز، وما بقي مبرمجاً، ولماذا تتأخر بعض المشاريع، ومن يتابع جودة التنفيذ بعد انتهاء الأشغال.
أما القصبة، فتستدعي عناية تراعي مكانتها التاريخية وحياة سكانها وتجارها. فتأهيلها يشمل الترميم والنظافة وتنظيم الحركة والصيانة المستمرة. وإشراك من يعيشون ويعملون فيها يساعد على تحديد صعوبات قد لا تظهر في التصاميم. نجاح المشروع يتبين أيضاً في سهولة الوصول إلى المحلات، وفي راحة السكان، وفي قدرة المكان على الاحتفاظ بحيويته.
وفي أحياء الحسنية والحرية والراشيدية، ينبغي أن يحدد التشخيص الميداني حاجات كل منطقة إلى صيانة الطرق وشبكات تصريف المياه، وأن تُعالج نقاط تجمعها قبل موسم الأمطار. تنظيف البالوعات وفحص القنوات وتتبع الأعطاب المتكررة أعمال أساسية، تحتاج إلى انتظام وإلى تواصل واضح مع السكان بشأن ما تمت معالجته وما يزال ينتظر التدخل.
غير أن تأهيل الأحياء لا يكتمل بالطرقات والإنارة والتطهير وحدها. فالحي يحتاج إلى حديقة قريبة، ومتنفس تجلس فيه الأسر، وفضاءات آمنة يلعب فيها الأطفال بعيداً عن حركة السيارات، وملاعب قرب تتيح للشباب ممارسة الرياضة. وهذه حاجات ينبغي أن تدخل في صلب برامج التهيئة، وأن تُرصد لها اعتمادات واضحة، خاصة في الأحياء التي تفتقر إليها.
ويحتاج التلاميذ والطلبة بدورهم إلى فضاءات للمطالعة والتحضير للامتحانات، قريبة من بيوتهم، تتوفر على الهدوء والتجهيزات الضرورية والربط بالإنترنت. فليس كل شاب يجد في منزله ظروفاً مناسبة للدراسة، أو يستطيع تحمل مصاريف التنقل والجلوس في المقاهي للمراجعة. ويمكن، حيثما توفرت الإمكانية، تهيئة مقرات جماعية غير مستغلة لهذا الغرض، بمواقيت تلائم حاجات المستفيدين، خصوصاً خلال فترات الامتحانات.
وقد يُقال إن المحمدية تتوفر على دار للثقافة وبعض المراكز. لكن هذه مرافق موجهة إلى المدينة كلها، ولا يمكن أن تعوض مرافق القرب داخل الأحياء. ثم إن حالتها نفسها تستوجب الوقوف عندها؛ فما نعاينه من تدهور وإهمال في بعض هذه الفضاءات يجعل وصف وضعها بالكارثي تعبيراً عن حجم الخلل الذي نعيشه. وجود مرفق على الورق لا يعني أن السكان يستفيدون منه فعلاً، إذا كانت بنايته متدهورة، أو تجهيزاته معطلة، أو خدماته لا تستجيب لحاجاتهم.
لذلك، نحتاج إلى تأهيل المرافق الموجودة وإعادة تشغيلها بما يليق بالمدينة، بالتوازي مع توفير فضاءات جديدة في الأحياء التي تعاني الخصاص. وكل مشروع ينبغي أن تصاحبه، منذ البداية، ترتيبات واضحة للصيانة والتدبير والتأطير. فافتتاح المرفق بداية مسؤولية، واستمرار خدماته هو ما يمنحه قيمته لدى السكان.
وهنا تبرز مسؤولية الميزانية في تقليص الفوارق بين الأحياء. فالإنصاف لا يعني تخصيص المبلغ نفسه لكل حي، وإنما توجيه الموارد بحسب الخصاص ودرجة الاستعجال وعدد المستفيدين. وهذا يقتضي تشخيصاً منشوراً يحدد وضعية الطرق والشبكات والمساحات الخضراء والمرافق، ويشرح على أي أساس رُتبت التدخلات.
في تقديري ، تحتاج المحمدية إلى برنامج واضح لتأهيل أحيائها، يربط كل مشروع بميزانيته وآجاله والجهة المسؤولة عنه، مع حصيلة دورية لما أُنجز وما تعثر. وعلى المجلس الجماعي أن يتحمل مسؤولياته في حدود اختصاصاته، وأن يتابع مع باقي المتدخلين الملفات المشتركة، ويطلع السكان على مآلها.
ما ننـتظره هو أن يلمس المواطن أثر التأهيل في الحي الذي يعيش فيه: طريق صالح، ورصيف آمن، وحديقة قريبة، وطفل يجد مكاناً للعب، وشاب يجد فضاءً للدراسة والرياضة. بهذه التفاصيل تُقاس جودة العيش، وعلى أساسها ينبغي أن نناقش أولويات المحمدية وميزانيتها.

