Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

بنكيران بين استعادة المبادرة وحسابات المستقبل: كلمة تختبر موقع «المصباح» في المشهد السياسي

الأحداث✍️عبد الصادق عبادة

لم تكن كلمة عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال الاجتماع الأسبوعي للفريق البرلماني للحزب، مجرد سجال مع الخصوم أو انتقاد للحكومة، بل عكست محاولة لإعادة تثبيت موقع الحزب في المشهد السياسي، وطرح أسئلة تتعلق بمستقبله بعد مرحلة من التراجع والارتباك. فمن الانتخابات إلى الوعود الاجتماعية، ومن المواجهة الحزبية إلى الإشارات المرتبطة بنهاية المسار، بدت الكلمة محمّلة برسائل تتجاوز لحظتها المباشرة.

يواصل بنكيران الرهان على حضوره الشخصي وقدرته على استقطاب الاهتمام، مستثمراً أسلوبه المباشر ولغته التصادمية في إعادة الحزب إلى واجهة النقاش العمومي. لكن استعادة الحضور الإعلامي ليست بالضرورة استعادة للقوة السياسية. فالتحدي الذي يواجه العدالة والتنمية اليوم هو فهم أسباب تراجعه، ومراجعة اختياراته، وبناء خطاب جديد يقنع الناخبين بأن الحزب قادر على تجاوز إخفاقات الماضي، لا الاكتفاء باستحضار أمجاده.

وفي هذا السياق، يعكس حديث بنكيران عن نتائج الانتخابات استمرار الجدل حول الوزن السياسي للحزب وحدود عودته. غير أن الرهان لا يُحسم بالتشكيك في النتائج أو استحضار ما يعتبره الحزب اختلالات، بل بقدرته على تحويل حضوره الحالي إلى مشروع متماسك، يستعيد ثقة المواطنين ويقدم إجابات عن انتظاراتهم.

اجتماعياً، وضع بنكيران الوعود الحكومية المتعلقة بالدعم المباشر وتحسين معاشات المتقاعدين أمام سؤال التمويل والاستدامة. وهو سؤال مشروع في بلد يواجه ضغطاً متزايداً على القدرة الشرائية، حيث لم يعد المواطن معنياً بحجم الوعود بقدر اهتمامه بأثرها الفعلي على حياته اليومية. لكن مساءلة الحكومة تقتضي أكثر من التحذير من المديونية؛ فهي تحتاج إلى أرقام دقيقة وبدائل قابلة للتنفيذ. وفي المقابل، تبقى الحكومة مطالبة بتوضيح مصادر التمويل وآفاق الوفاء بالتزاماتها.

أما المواجهة مع حزب الأصالة والمعاصرة، فقد كشفت استمرار بنكيران في اعتماد خطاب هجومي يستثمر التناقضات مع خصومه. وقد يمنح هذا الأسلوب تصريحاته قوة تداولية، لكنه لا يعوض النقاش حول البرامج والحصيلة. فالمواطن الذي يواجه الغلاء والقلق بشأن الخدمات الأساسية يحتاج إلى معرفة ما الذي تقترحه الأحزاب، لا الاكتفاء بمتابعة سجالاتها.

واللافت في الكلمة أيضاً استحضار بنكيران التقدم في السن ونهاية المسار، في إشارات تفتح باب التأويل بشأن مستقبله السياسي. لا يعني ذلك بالضرورة أنه يعلن قرب مغادرة قيادة الحزب، لكنه يضع مسألة الخلافة وتجديد النخب في صلب النقاش. فالحزب الذي ارتبط حضوره طويلاً بشخصية أمينه العام مطالب بإثبات أن لديه من الكفاءات والمؤسسات ما يضمن استمراره بعده، وأن قوة التنظيم لا تختزل في جاذبية زعيمه.

هنا تحديداً يكمن الاختبار الأصعب أمام العدالة والتنمية: هل يستطيع الانتقال من الاعتماد على الكاريزما والخطاب التعبوي إلى بناء مشروع سياسي متجدد، أم سيظل أسير الحضور الشخصي لبنكيران ومواجهاته مع الخصوم؟ فالتجديد لا يعني القطيعة مع التجربة، بل استخلاص دروسها، وتصحيح أخطائها، وإعداد قيادة قادرة على مخاطبة مجتمع تغيرت أولوياته وتطلعاته.

في المحصلة، تكشف كلمة بنكيران عن رغبة في استعادة المبادرة، لكنها تضع الحزب أيضاً أمام أسئلة لا يكفي الخطاب وحده للإجابة عنها. فالمعارضة الفاعلة لا تُقاس بقدرتها على إحراج الحكومة فقط، بل بامتلاك بدائل مقنعة في التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية. كما أن استعادة الثقة لا تتحقق باستدعاء الماضي، بل بإقناع المغاربة بأن المستقبل يحمل خيارات أفضل.

وبين قوة الزعيم وحاجة الحزب إلى التجديد، تبقى المسألة الحاسمة هي قدرة «المصباح» على تحويل حضوره السياسي إلى مشروع يتجاوز الأشخاص، ويستجيب لانتظارات المواطنين. فالكلمات قد تعيد حزباً إلى واجهة النقاش، لكن وحدها المواقف الواضحة والبدائل الواقعية قادرة على تثبيت موقعه في المشهد السياسي.

Exit mobile version