الأحداث✍️بقلم: د. خلدون الوزاني
إن التصريح بالسياسة العامة الذي قدمته رئيسة الحكومة المعينة، يوم الاثنين 19 أكتوبر، أمام مجلسي النواب والمستشارين، لا يراد له أن يكون مجرد تمرين مؤسساتي تفرضه أجندة العمل البرلماني، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة رسم معالم التوجهات الكبرى للسنوات الخمس المقبلة، الممتدة من 2026 إلى 2031، مع الإعلان عن إرادة للقطيعة مع أوجه القصور التي شابت السياسات العمومية السابقة، خاصة تلك التي شابت التدبير الكارثي لحزب التجمع الوطني للأحرار طيلة أزيد من عقدين من المسؤولية على أهم القطاعات الحيوية.
إنه خطاب حكومة تتعهد بالحفاظ على المكتسبات، وتصحيح الاختلالات، وإعادة توجيه موارد الدولة نحو الحاجات الملموسة للمواطنين.
ويُحسب لهذا التصريح أنه ينطلق من تشخيص يتسم، في حد ذاته، بقدر من الوضوح والواقعية. فقد أقرت رئيسة الحكومة بأن ثمار النمو الاقتصادي والاستثمارات الكبرى لم يستفد منها جميع المواطنين والفئات الاجتماعية والمجالات الترابية بالقدر نفسه. كما حددت أبرز مصادر الاستياء، وفي مقدمتها التشغيل، والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية، واستمرار الفوارق المجالية.
وبعبارة أخرى، لم تعد مشكلة المغرب مقتصرة على قدرته على إطلاق المشاريع أو تعبئة رؤوس الأموال، أو استقبال التظاهرات الكبرى وإشادات المجموعة المالية الدولية، بل أصبحت ترتبط أيضًا بمدى قدرته على تحويل هذه الجهود إلى تقدم اجتماعي ملموس وقابل للقياس. وعلى هذا المحك تحديدًا ستُختبر الحكومة الجديدة.
### من اقتصاد المشاريع الكبرى إلى اقتصاد النتائج
لعل أحد أبرز الدروس السياسية التي يتيحها هذا التصريح يتمثل في الإرادة المعلنة للانتقال من منطق الوسائل إلى منطق النتائج. فقد أعلنت رئيسة الحكومة عزمها إعطاء الأولوية للمردودية الاجتماعية للاستثمارات، وتعزيز التكامل بين البرامج العمومية، وقياس أثرها الفعلي في ظروف عيش المواطنين.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي سيكون اختبار إعادة توزيع ثمار النمو. فقد يحقق بلد ما مؤشرات اقتصادية كلها إيجابية، دون أن يلمس المواطنون تحسنًا حقيقيًا في حياتهم اليومية. وبعبارة أخرى، لا تكتسب الإنجازات الاقتصادية قيمتها السياسية إلا عندما تصبح محسوسة في حياة المواطن.
وتستهدف الحكومة تحقيق معدل نمو سنوي متوسط يبلغ 5 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
وهنا يطرح أول تحد أمام لقجع: كيف يمكن التوفيق بين هذه الأهداف الثلاثة في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة متعددة الوجوه؟
فإذا كانت هذه الأهداف تعكس ظاهريًا رغبة في التوفيق بين الدينامية الاقتصادية والانضباط المالي، غير أن الأرقام، مهما بدت طموحة، لا تشكل في حد ذاتها سياسة اجتماعية. فالأمر يقتضي أن يُترجم النمو إلى فرص عمل مستقرة، وأجور أفضل، وحماية أكبر للأسر، وتقليص فعلي للفوارق الاجتماعية.
إن العدالة الاجتماعية لا تختزل في قيمة التحويلات المالية التي تقدمها الدولة، بل تقتضي أيضًا أسواقًا أكثر تنظيمًا، ومنافسة فعلية، ومداخيل للأفراد والأسر والمقاولات الصغيرة جدًا ناتجة عن العمل، وقادرة على صون القدرة الشرائية.
### الشباب والتشغيل: بين الاعتراف بالأزمة وحدود الحلول المقترحة
تضع الحكومة الشباب في صلب أولوياتها السبع الكبرى. وتكشف الأرقام المقدمة عن حجم الاستعجال؛ إذ يُقدر عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، ممن يوجدون خارج منظومات الشغل والتعليم والتكوين، بنحو 2.9 مليون شاب، فيما يبلغ معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة. كما يُغادر نحو 300 ألف تلميذ المنظومة المدرسية سنويًا دون الحصول على مؤهلات.
وإذا تم توسيع هذه الشريحة، فالمغاربة الذين تبلغ أعمارهم ما بين 18 و45 سنة ويوجدون خارج المنظومة المشار إليها أعلاه قد وصل تعدادهم إلى حوالي 4 ملايين شخص.
وأمام هذا الوضع المقلق، تعلن الحكومة، ابتداءً من سنة 2027، عن نيتها في تكوين 100 ألف شاب سنويًا وفق احتياجات المقاولات، وتمكين 100 ألف آخرين من خوض تجربة مهنية أولى، إلى جانب تطوير التكوين بالتدرج المهني، بطاقة سنوية يُرتقب أن تتراوح بين 150 ألفًا و200 ألف مستفيد.
وتعكس هذه الأهداف الطموحة إدراكًا لأهمية الأزمة، لكنها تثير سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن ضمان أن تفضي التكوينات المقترحة إلى وظائف مستقرة وأجور لائقة؟
على كل حال، ديننا يقول إن النية أبلغ من العمل، وفي سنة 2031 سيكون للسيدة رئيسة الحكومة، بنت الصالحين، وفريقها أجر الاجتهاد.
إن إحداث مزيد من آليات الإدماج المهني لن يكون كافيًا ما لم يواكبه اقتصاد قادر على خلق فرص عمل منتجة، وتثمين الكفاءات، وتوفير آفاق مهنية للخريجين وللشباب الذين لا يتوفرون على مؤهلات.
صحيح أن ملاءمة التكوين مع حاجيات المقاولات ضرورة لا غنى عنها، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن استراتيجية طموحة لخلق الأنشطة الاقتصادية وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
كما أن التعهد بمواكبة 60 ألف مقاولة بهدف تعزيز نموها واستمراريتها يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن ذلك يقتضي ضمان ولوج فعلي للمقاولات الصغيرة جدًا والمتوسطة إلى التمويل والصفقات العمومية والأسواق التجارية، خاصة أمام قطاع مصرفي أشبه بنادي باريس.
فهل سينخرط القطاع، الذي أصبح يشكل أقوى لوبي اقتصادي ومالي في هذا البلد، حيث تجاوزت فعاليته وشراسته اتحاد مستوردي وموزعي المحروقات، في السياسة الحكومية، خاصة على مستوى النهوض بالنسيج المقاولاتي الوطني، حتى يتمكن هذا الأخير من المساهمة الناجعة في خلق الثروة وتشغيل الشباب؟ وإلا فعلى الحكومة التفكير بجدية هذه المرة في إنشاء بنك وطني أو تأميم أحد البنوك الوطنية الكبرى، بعيدًا عن قرارات بازل وتوجيهات صندوق النقد الدولي.
والتحدي هنا سياسي أيضًا. فالشباب الذي لا يجد فرصة عمل، ولا سكنًا ميسور التكلفة، ولا آفاقًا للتحرر الاقتصادي والاجتماعي، ينتهي به الأمر إلى فقدان الثقة. ولذلك، فإن المسألة تتجاوز إحصائيات البطالة لتلامس مصداقية العقد الاجتماعي برمته. وإذا بقيت الحالة على ما هي عليه، ولربما ازدادت سوءًا، فإن الولاية الحكومية، إن استمرت إلى نهايتها، ستشهد أحداثًا أكبر من مظاهرات جيل Z وهجرات أخرى نحو الشمال.
### القدرة الشرائية: الحكم الفاصل على الولاية الحكومية
يولي التصريح بالسياسة العامة أهمية كبيرة لمحاربة غلاء المعيشة. وتتعهد الحكومة بتقريب المنتجين من المستهلكين عبر إحداث بنيات جهوية للتجميع والتسويق، وإصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك، وتأطير العلاقة بين الصادرات وتموين السوق الوطنية بصورة أكثر وضوحًا.
ويتعلق الأمر بورش أساسي واستراتيجي. فارتفاع أسعار المنتجات الفلاحية لا يمكن معالجته بالاعتماد فقط على مساعدات ظرفية أو حملات مراقبة متقطعة ومحدودة الفعالية. إذ ترتبط هذه الظاهرة أيضًا بتنظيم سلاسل الإنتاج والتسويق، وتنامي نفوذ الوسطاء، وشروط المنافسة، والتكاليف اللوجستية، والهشاشة التي يعاني منها صغار المنتجين.
وانطلاقًا من ذلك، فإن إعادة تنظيم المسالك التجارية تمثل توجهًا وجيهًا. غير أن نجاحها يظل رهينًا بإقرار سياسة فلاحية توفر حماية أكبر لصغار الفلاحين، وتسهل ولوجهم إلى التمويل، وتضمن لهم عائدات أكثر إنصافًا. ومن دون ذلك، قد يظل شعار تقريب المنتج من المستهلك مجرد إعلان للنوايا.
ويتضمن البرنامج كذلك إقرار تعويض اجتماعي تلقائي للأسر المستوفية لشروط الاستفادة، يعادل فاتورة شهرية للكهرباء لا تتجاوز 100 درهم. كما ينص على الرفع التدريجي من قيمة الإعانات الاجتماعية المباشرة، التي يُرتقب أن تنتقل من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية.
ومن شأن هذه الالتزامات أن توفر دعمًا حقيقيًا للأسر الأكثر هشاشة. غير أن فعاليتها ستتوقف على معايير الاستحقاق، ودقة الاستهداف، ومدى ملاءمتها لتطور تكاليف المعيشة. فالمساعدة الاجتماعية التي ترتفع قيمتها بوتيرة أبطأ من ارتفاع النفقات الأساسية تفقد تدريجيًا جزءًا من قدرتها على تحسين أوضاع المستفيدين.
### المدرسة العمومية: طموحات رقمية في مواجهة اختلالات بنيوية
تعلن رئيسة الحكومة عزمها رفع نسبة التلاميذ المتمكنين من التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول سنة 2031. كما تحدد هدف القضاء على الهدر المدرسي في أفق سنة 2030.
إنه طموح مرتفع وضروري. غير أن إصلاح المدرسة العمومية لا يمكن أن يتحقق بمجرد تحديد المؤشرات والأهداف الرقمية، بل يتطلب توفير عدد كافٍ من المدرسين، وتحسين ظروف مواكبتهم المهنية، وتجهيز المؤسسات التعليمية، وتطوير التوجيه المدرسي، وإرساء دعم فردي للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق القروية.
ويمثل التعهد بالقضاء على الهدر المدرسي وعدًا سياسيًا قويًا، لكن تحقيقه يظل رهينًا بقدرة المنظومة التعليمية على رصد التلاميذ المهددين بالانقطاع في وقت مبكر، وفهم أسباب مغادرتهم المدرسة، واقتراح مسارات بديلة ذات مصداقية وقادرة على الاستجابة لاحتياجاتهم.
### الصحة: من تعميم التغطية إلى ضمان العلاج الفعلي
ينطبق المنطق نفسه على قطاع الصحة. فالحكومة تقر، ضمنيًا، بحدود المقاربة التي تركز على توسيع التغطية الاجتماعية، عندما تعلن رغبتها في الانتقال من تعميم الحقوق إلى ضمان ولوج فعلي ومنصف ومستدام إلى علاجات ذات جودة.
وتشمل التدابير المقترحة تعزيز الموارد البشرية، وتحديث أقسام المستعجلات، وتحسين استقبال المرضى، وتطوير المساعدة الطبية الاستعجالية، وإرساء نظام وطني للمعلومات الصحية.
وهنا تحديدًا سيتحدد جزء كبير من مصداقية الولاية الحكومية. فالمواطن لا يقيس إصلاح المنظومة الصحية بعدد بطاقات التغطية أو المنخرطين، بل بمدة الانتظار، وتكلفة العلاج، ومدى توفر الأطباء، وإمكانية تلقي العلاج بكرامة داخل المستشفى العمومي.
ولا يمكن اعتبار الدولة الاجتماعية مكتملة وفعالة ما دام الحق النظري في العلاج لا يتحول إلى خدمة متاحة فعليًا، يستطيع المواطن الحصول عليها في ظروف منصفة، مع العمل على الحد من القوة الافتراسية للقطاع الخاص.
فهل ستكون لفاطمة ومن معها الجرأة والشجاعة لإيقاف الأخطبوط المعلوم، والتشغيل الأنجع لاستثمارات الدولة؟ ومستشفى عائشة بآسفي خير مثال.
### محاربة الفساد: امتحان المصداقية
في مجال تخليق الحياة العامة، يتعهد التصريح بتعزيز المنظومة الوطنية للنزاهة، ولا سيما عبر تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة حالات تضارب المصالح، وتعزيز التصريح بالممتلكات، ومحاربة الممارسات المنافية للمنافسة.
كما تعلن الحكومة عن إرساء آليات لمراقبة الصفقات العمومية، وإجراء تحقيقات بشأن التواطؤات المحتملة في طلبات العروض. ويتضمن البرنامج أيضًا تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات المعنية، بموجب القانون، لفائدة المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة.
وتلامس هذه الالتزامات إحدى أكثر القضايا حساسية، وهي الثقة في العمل العمومي. فالفساد والامتيازات الريعية لا يمثلان مجرد اختلالات أخلاقية، بل يؤثران في المنافسة، ويرفعان كلفة الإنفاق الجماعي، ويعاقبان المقاولات النزيهة، ويغذيان الاعتقاد بأن الفرص لا توزع على أساس الإنصاف وتكافؤ الفرص.
لكن هذا الملف بالذات هو الذي ستُقاس فيه النوايا بميزان الأفعال. فتشديد النصوص القانونية لا يكفي إذا كانت المراقبة غائبة أو متساهلة، أو إذا لم تُعاقب حالات تضارب المصالح فعليًا، أو إذا كانت المؤسسات المكلفة بالرقابة تفتقر إلى الموارد والاستقلالية العملية.
ويمكن للطلب العمومي أن يتحول إلى أداة لتنمية المقاولات الوطنية، شريطة ضمان شفافية المساطر، وتكافؤ فرص الولوج إلى الصفقات، ومراقبة صارمة لتنفيذ العقود.
ولن تتحدد مصداقية الحكومة بحدة خطابها أو قوة تعهداتها اللفظية، بل بقدرتها على تطبيق القواعد نفسها على الجميع، دون استثناء.
ولعل أبلغ رسالة في هذا الباب هي توضيح الموقف الأخلاقي قبل القانوني لوضعية رئيسة الحكومة بالنسبة لعقار تاسلطانت، وبالنسبة لمكتب المحاماة الذي كانت شريكة فيه، وبقي ينوب عن مؤسسة العمران في ملفات قضائية رغم أن الشريكة السابقة هي الوزيرة الوصية على القطاع.
إذا كانت الوضعية القانونية لرئيسة الحكومة سليمة، وكانت السيدة الرئيسة، بنت الصالحين، قد حرصت على تأمين نفسها في حالة وصول هذين الملفين إلى القضاء، إلا أن عليها أن تسائل ضميرها وأخلاقها: هل هي مقتنعة تمامًا بأنه ليس هناك شبهة تضارب المصالح؟
فالصالحون وأبناؤهم يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبهم الآخرون.
### اللامركزية: مشروع لم يستكمل بعد شروط تحققه
يشكل تقليص الفوارق المجالية محورًا آخر من المحاور الأساسية للبرنامج. وتعتزم الحكومة رفع التحويلات المالية الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، مع مواصلة العمل بعقود البرامج بين الدولة والجماعات الترابية، وتحديد أهداف صريحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق.
ويكتسي هذا التوجه أهمية بالغة في بلد لا تزال فيه فرص الولوج إلى العلاج والتعليم والنقل والشغل متفاوتة بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى.
غير أن المسألة لا تتعلق بالموارد المالية وحدها، بل تشمل أيضًا توزيع المسؤوليات، وتوفير الكفاءات الإدارية، والقدرة على تصميم المشاريع الملائمة للاحتياجات المحلية وتنفيذها.
فالجهة لا تتحول إلى محرك للتنمية لمجرد حصولها على اعتمادات مالية أو دعم أكبر، بل تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة، وصلاحيات فعلية لاتخاذ القرار والتخطيط، وآليات واضحة للمساءلة وتقييم النتائج.
ومن دون نقل حقيقي للاختصاصات وإدارة ترابية فعالة، قد تظل اللامركزية مبدأً طموحًا في الخطاب، دون أن تصبح واقعًا ملموسًا في حياة المواطنين.
هنا أيضًا نسيت رئيسة الحكومة، أو تناست، أمرًا بالغ الأهمية، وهو أن اللامركزية لا تتماشى إلا مع اللاتمركز.
فإذا كانت اللامركزية في مفهومها هي نقل جزء من السلطات والوظائف الإدارية إلى الجهات والجماعات، فهي لا تكتمل ولا يمكن أن تؤدي مهمتها على أحسن وجه إلا بوجود اللاتمركز، أي عدم التركيز الإداري، الذي بموجبه تفوض السلطة بعض اختصاصاتها وصلاحياتها لممثليها وموظفيها في الجهات والأقاليم.
ويغلب الظن هنا أن هذا الملف جد شائك، وقد تجد رئيسة الحكومة، كمن قبلها، صعوبات وعراقيل في إخراجه إلى حيز الوجود، خاصة مع وزارات السيادة وبعض المؤسسات التي لا يمكن إلا أن تسير من الرباط.
ويجسد البرنامج القروي لإعادة تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن، مع تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسر المستوفية لشروط الاستفادة، هذه الرغبة في تحسين ظروف العيش. غير أن نجاحه سيظل مرتبطًا بمدى ملاءمة معايير الاستحقاق، وتوفير المواكبة التقنية، والقدرة على الاستجابة للاحتياجات الفعلية للأسر.
### الرهان الاقتصادي: الاستثمار دون تعميق الاختلالات
على المستوى الإنتاجي، تراهن الحكومة على الصناعة، والاستثمار الخاص، والتحول الرقمي، والطاقات المتجددة، وتثمين سلاسل القيمة الوطنية.
وتستهدف مساهمة القطاع الخاص بثلث إجمالي الاستثمار الوطني، كما تطمح إلى استقبال 26 مليون سائح بحلول سنة 2030. ويتضمن البرنامج أيضًا رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، وتعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه عبر تحلية مياه البحر بحلول سنة 2031.
وتستجيب هذه التوجهات لتحديات استراتيجية تتعلق بالتنافسية، والأمن الطاقي، والإجهاد المائي، وخلق القيمة المضافة. كما يمكنها تعزيز موقع المغرب في اقتصاد عالمي يشهد تحولات عميقة وإعادة تشكيل لموازين الإنتاج والتجارة.
غير أن سياسة جذب الاستثمارات لا ينبغي أن تُقيّم فقط بحجم الأموال المعلن عن تعبئتها، بل يجب قياسها أيضًا بعدد فرص العمل التي تخلقها، وجودة هذه الوظائف، ومدى إشراك المقاولات المحلية في المناولة، ونقل التكنولوجيا، والقدرة على بروز نسيج من المقاولات الوطنية الخاصة القادرة على المنافسة.
ويتمثل التحدي في تجنب تحول المشاريع الكبرى إلى دوائر اقتصادية مغلقة، تظل آثارها محدودة على الاقتصاد المحلي. فالاستثمار ينبغي أن يمتد أثره إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وأن يدعم الابتكار، وأن يساهم في نشوء أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى.
وفي هذا السياق، يستحق التعهد ببناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل اعتمادًا على الواردات متابعة دقيقة. فالسيادة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد إعلانها، وإنما تُبنى من خلال امتلاك الكفاءات، وتعزيز متانة المقاولات، والقدرة على إنتاج جزء من السلع التي يستوردها البلد بكميات كبيرة.
### حكامة تحت اختبار التزاماتها
يقوم التصريح بالسياسة العامة الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري على طموح متماسك من حيث المبدأ، يتمثل في الجمع بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وفعالية الدولة، والسيادة الاستراتيجية.
كما يعترف بحدود النموذج القائم عندما لا تفضي الاستثمارات إلى خلق عدد كافٍ من فرص العمل، أو عندما لا تنعكس الإصلاحات على نحو ملموس في جودة الخدمات العمومية.
غير أن السؤال المركزي يظل متعلقًا بالتنفيذ. فالبرنامج يتضمن عددًا كبيرًا من الأهداف الرقمية، لكن تحقيقها يقتضي تحديد جداول زمنية دقيقة، وتوزيعًا واضحًا للمسؤوليات، وضبطًا لمصادر التمويل، وإرساء آليات للتتبع والمراقبة تكون متاحة أمام الرأي العام.
ويجعل الانضباط المالي المعلن هذا الشرط أكثر إلحاحًا. فكيف يمكن تمويل تحسين أنظمة التقاعد، ورفع الإعانات الاجتماعية، وتعزيز الصحة والتعليم، والاستثمار في الموارد المائية، وتنفيذ برامج التشغيل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على عجز الميزانية ضمن الحدود المستهدفة؟
يحدد التصريح أهدافًا اقتصادية كلية، لكن التوفيق بينها سيظل بحاجة إلى إثبات عملي، عبر اختيارات ميزانياتية واضحة وشفافة، تكشف الأولويات الفعلية للحكومة وتوضح كيفية توزيع الموارد.
وتتعهد رئيسة الحكومة، أخيرًا، بالعمل مع الأغلبية والمعارضة، والشركاء الاجتماعيين، والفاعلين الاقتصاديين، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام. ويشكل هذا الانفتاح إشارة مؤسساتية إيجابية، لكنه لن يكتسب معناه الكامل إلا إذا أتاح الحوار إمكانية مراجعة القرارات، وتصحيح الأخطاء، ومساءلة المسؤولين عن نتائج السياسات المعتمدة.
في نهاية المطاف، يشكل التصريح بالسياسة العامة عقدًا سياسيًا لا تُقاس قيمته بحجم الالتزامات المعلنة، وإنما بمدى الوفاء بها. فالمغرب لا ينتظر حكومة قادرة على تقديم رؤية طموحة فحسب، بل ينتظر جهازًا تنفيذيًا قادرًا على تقليص المسافة بين الوعود الرسمية والواقع اليومي للمواطنين.
وفي هذا الصدد، لا بد من الإقرار بأن التدابير المعلنة تتسم بقدر كبير من الدقة، وتستجيب بصورة واضحة للانتظارات التي عبّر عنها المواطنون، إلى درجة قد تجعل المعارضة نفسها تجد صعوبة في الاعتراض عليها أو اتخاذها مادة للنقد.
وهنا تحديدًا ستتحدد حصيلة فاطمة الزهراء المنصوري سنة 2031: ليس بعدد الإصلاحات التي أُعلن عنها، ولا بمليارات الدراهم التي جرى حشدها، ولا بالاستراتيجيات التي أُطلقت، بل بحجم التغيير الملموس الذي سيطرأ على حياة المغاربة.
أما ما عدا ذلك، فلن يتجاوز حدود التواصل السياسي. والمواطنون، في نهاية المطاف، لا ينتظرون مزيدًا من الوعود، بل ينتظرون نتائج فعلية.
وأخيرًا، فإن عمر هذه الحكومة، قبل أن نتكلم عن نجاحها، يظل رهينًا بما ستحققه خلال السنة الأولى من ولايتها، وإلا فإن رد فعل المغاربة سيكون هذه المرة أعنف، خاصة أن الأغلبية البرلمانية ليست مريحة كما نتصور.

