Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

طقوس فن البارود ببني زروال بإقليم تاونات.. حين تتحدث الجبال بلغة التراث والإيقاع.

الأحداث✍️بقلم: المهدي العلمي الإدريسي
ليس فن البارود بالمغرب مجرد استعراض للبنادق والطلقات، ولا هو فقط مشهد احتفالي يرتبط بالمواسم والأعراس والتجمعات الشعبية؛ بل هو تعبير ثقافي متجذر في الذاكرة الجماعية، تختزن تفاصيله معاني الاعتزاز بالانتماء والتضامن والفرح الجماعي. وإذا كانت التبوريدة، في صورتها المعروفة، قد ارتبطت بسربات الخيالة وانطلاق الخيل في تناغم مع طلقات البارود، فإن مناطق أخرى من المملكة تحتفظ بأشكال متميزة من هذا الفن، تعكس خصوصيتها الجغرافية والاجتماعية والثقافية. ومن بين هذه المناطق، تبرز بني زروال بإقليم تاونات بطقوسها المحلية المتفردة.

عندما نذكر فن التبوريدة أو الفانتازيا بالمغرب، فإننا نستحضر سرب تيسة بإقليم تاونات، وسرب أخرى. غير أن الإقليم نفسه، بما يزخر به من تنوع جغرافي وثقافي، يحتضن أشكالًا أخرى من فنون البارود، لها طقوسها وتقاليدها الخاصة، ولا سيما في منطقة بني زروال بفخضتها الخمس، ذات التضاريس الوعرة والمسالك الجبلية.
ففي عدد من الجماعات الترابية بالمنطقة، من بينها الرتبة بني مجرو  المشاع وبوبريح تابودة حيث ضريح مولاي العربي الدرقاوي، وغيرها من المناطق المجاورة، تحافظ الساكنة على طقوس تراثية مميزة في ممارسة فن البارود، بما يعكس غنى الذاكرة الشعبية وارتباط الإنسان الجبلي بموروثه الثقافي.

وتشكل هذه الممارسة جزءًا من التعبير الاحتفالي المحلي، حيث تتداخل عناصر اللباس التقليدي الجبلي والموسيقى الشعبية والحركات الجماعية وحضور البندقية، لتصنع مشهدًا تراثيًا له خصوصيته التي تميزه عن الأشكال المعروفة للتبوريدة في مناطق أخرى من المملكة.

تبدأ اللوحة التراثية بقدوم رجال يرتدون اللباس التقليدي الجبلي المميز، ويحملون بنادقهم، في مشهد يستحضر ملامح من الذاكرة الشعبية للمنطقة. وترافقهم فرق فلكلورية محلية، تتعالى فيها إيقاعات الطبول وصوت الغيطة، التي ينطقها أهل المنطقة أيضًا بلفظ «الغايضا»، وفق التعبير المحلي المتداول.

وتؤدي هذه العناصر الموسيقية دورًا أساسيًا في تنشيط الأجواء الاحتفالية، إذ تمنح الحركات الجماعية إيقاعها الخاص، وتستنهض حماس المشاركين، وتخلق تواصلًا حيًا بين المؤدين والجمهور.

كما يعكس اللباس التقليدي الجبلي ارتباط هذه الطقوس بالمحيط المحلي، ويمنح المشاركين مظهرًا جماعيًا يعبر عن الاعتزاز بالهوية والانتماء إلى المنطقة.

ومن أبرز ما يميز طقوس فن البارود ببني زروال اعتماد التشكيل الدائري أو الحلقي، بحسب المساحة المتاحة وطبيعة المكان. ويرافق المجموعة شخص يتولى تنظيم المشاركين وتأطيرهم، في دور يشبه دور المقدم المعروف في سربات التبوريدة، ويساهم في تنسيق الحركات وضبط إيقاع الأداء.
وبعد انتظام المشاركين في شكل حلقة، يتوسطها أحد الأشخاص، ينطلق الرقص الجماعي على إيقاعات الموسيقى الشعبية، في مشهد تعبيري تتداخل فيه الحركة والصوت والتفاعل الجماهيري.

وتتعالى تصفيقات الحاضرين، وتتفاعل الجماهير مع الإيقاعات والحركات في أجواء يطبعها الفرح والاعتزاز بالانتماء المحلي. ولا تقتصر أهمية هذا الطقس على مظاهره الاحتفالية، بل تتجاوزها إلى دلالاته الاجتماعية، باعتباره مناسبة للتلاقي والتواصل واستحضار العادات التي تناقلتها الأجيال.

تبلغ هذه الطقوس ذروتها مع إطلاق طلقات البارود من فوهات البنادق في اتجاه الأرض، وفق الممارسة المحلية الموصوفة بالمنطقة. ويأتي هذا العنصر ضمن تسلسل احتفالي يجمع بين الموسيقى والحركة والتفاعل الجماعي، ليمنح المشهد قوته السمعية والبصرية.

وهنا تتجلى خصوصية فن البارود ببني زروال إقليم تاونات؛ فهو لا يستنسخ بالضرورة النموذج المعروف للتبوريدة القائمة على الخيل والسربات، بل يقدم شكلًا آخر من أشكال التعبير الاحتفالي، تشكل في سياق محلي واكتسب سماته المميزة.

إنها ممارسة تراثية تستحق التوثيق والتعريف، لما تحمله من عناصر ثقافية وفنية تعكس خصوصية المنطقة، مع ضرورة احترام شروط السلامة عند التعامل مع البنادق والبارود حفاظًا على المشاركين والجمهور.

إن استحضار طقوس فن البارود بمنطقة بني زروال يعيد التأكيد على أن التراث المغربي لا يمكن اختزاله في صورة واحدة أو نموذج موحد. فبين سربات التبوريدة المعروفة في تيسة بإقليم تاونات، وممارسات البارود ذات الطابع الجماعي في المناطق الجبلية، تتعدد الأشكال التعبيرية وتختلف التفاصيل، لكن يجمعها ارتباطها بالذاكرة الشعبية والاحتفال الجماعي والاعتزاز بالموروث المحلي.

ويبرز هذا التنوع غنى الهوية المغربية بتعدد روافدها الثقافية، وفي مقدمتها الروافد العربية والأمازيغية، إلى جانب ما تزخر به مختلف مناطق المملكة من عادات وتقاليد وفنون شعبية متوارثة.

إن الحفاظ على هذه الطقوس لا يتحقق بمجرد استحضارها في المناسبات، بل يتطلب توثيق تفاصيلها، وجمع شهادات كبار السن والممارسين، وتسجيل أسماء الآلات والتعابير المحلية، والتعريف بها لدى الأجيال الصاعدة. فكل حركة، وكل إيقاع، وكل تسمية محلية، قد تحمل جزءًا من تاريخ المنطقة وذاكرتها الجماعية.

وتظل طقوس فن البارود ببني زروال إحدى الصور الدالة على غنى التراث الشعبي المغربي، حيث تتحول الجغرافيا الجبلية إلى فضاء للاحتفال، وتصبح الموسيقى والحركة واللباس التقليدي أدوات للتعبير عن الانتماء والاعتزاز بالهوية المحلية.
إنه تراث يحمل بصمة أهله، ويختزن ذاكرة جماعية تستحق التقدير والصون والتعريف، ويؤكد أن قوة الهوية المغربية تكمن في تعدد تجلياتها الثقافية والفنية، وفي قدرتها على احتضان الخصوصيات المحلية داخل وحدة وطنية جامعة.

Exit mobile version