Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

دار الشباب والرياضة: رؤية متجددة للاستثمار في طاقات الشباب المغربي

الأحداث✍️بقلم: المهدي العلمي الإدريسي

إن الاستثمار في الشباب المغربي ليس مجرد خيار تنموي، بل هو رهان استراتيجي على مستقبل الوطن، يقتضي ابتكار مبادرات نوعية، وتطوير الفضاءات المخصصة لهذه الفئة، بما يتيح لها فرصاً أوسع للتكوين والإبداع واكتشاف المواهب وصقل القدرات. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى رؤية متجددة تجعل من الثقافة والرياضة والتربية ركائز متكاملة لبناء جيل واعٍ، متوازن، وقادر على الإسهام الفعلي في تنمية المجتمع.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة الاعتبار للرياضة داخل قطاع الشباب، ولا سيما الرياضة القاعدية والفنون الدفاعية، لما لها من دور أساسي في تنمية القدرات البدنية والذهنية، وتعزيز الثقة بالنفس، وترسيخ قيم الانضباط والاحترام وروح المسؤولية والتعايش.

وإذا كانت المملكة المغربية تتوفر على شبكة من المؤسسات المعروفة باسم «دور الشباب»، فإن من المشروع طرح سؤال جوهري: لماذا لا نعمل على تطوير هذه المؤسسات لتصبح «دور الشباب والرياضة»، بما يجعلها فضاءات متكاملة تجمع بين الأنشطة الثقافية والفنية والتربوية والرياضية، وتستجيب بشكل أفضل لتطلعات الشباب واحتياجاتهم المتجددة؟

إن هذا التصور لا يستدعي بالضرورة تشييد بنايات جديدة، أو رصد ميزانيات ضخمة، بقدر ما يتطلب رؤية عملية تقوم على تأهيل المؤسسات القائمة وتثمين إمكاناتها، وفقاً للمساحات المتاحة والموارد المالية والبشرية المتوفرة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تجهيز بعض دور الشباب بقاعات متعددة الاستعمالات، وفضاءات ملائمة لممارسة الأنشطة الرياضية، مع توفير شروط السلامة والجودة، وإشراك الجماعات الترابية والجمعيات والهيئات الرياضية في التدبير والتأطير.

وتستحق الفنون الدفاعية، في هذا الإطار، عناية خاصة، لما تقدمه من فوائد تتجاوز الجانب البدني إلى التربية على التحكم في النفس، واحترام القواعد، والانضباط، وتقبل الآخر. كما تتيح للشباب فرصة اكتشاف قدراتهم وتطوير مهاراتهم في بيئة تربوية سليمة، شريطة توفير التجهيزات المناسبة والاستعانة بأطر مؤهلة تضمن ممارسة آمنة وهادفة.

ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على توسيع العرض الرياضي فحسب، بل تمتد إلى تعزيز التكامل بين الثقافة والرياضة داخل فضاء واحد، بما ييسر استفادة الشباب من خدمات متنوعة، ويقربها من الأحياء والمناطق التي هم في أمسّ الحاجة إليها. كما من شأن هذا التوجه أن يساهم في توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، واستثمار البنيات التحتية المتاحة بصورة أكثر فعالية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى الأنشطة الثقافية والرياضية.

ولضمان نجاح هذه المبادرة، يمكن اعتماد مقاربة تدريجية تبدأ بإطلاق تجارب نموذجية في عدد من المدن والمناطق القروية، وفقاً لحاجياتها وإمكاناتها، على أن تخضع هذه التجارب للتقييم المستمر من حيث جودة التأطير، ونسبة الإقبال، وأثر الأنشطة على المستفيدين، ومدى استدامة المرافق. ومن شأن النتائج المحققة أن تساعد على تطوير النموذج وتوسيع نطاقه، مع اعتماد شراكات فعالة تضمن استمرارية البرامج وتحسين مردوديتها.

إن تطوير دور الشباب لتصبح فضاءات تجمع بين الثقافة والرياضة ليس مجرد تغيير في التسمية، بل هو تحول في فلسفة تدبير هذه المؤسسات وأدوارها المجتمعية. فالشباب اليوم في حاجة إلى فضاءات تحتضن طاقاتهم، وتفتح أمامهم آفاقاً جديدة للتعلم والتأطير والمنافسة والإبداع، بعيداً عن مظاهر الفراغ والتهميش وضياع المواهب.

فلماذا لا نجعل من «دار الشباب والرياضة» مشروعاً وطنياً طموحاً، يعيد لهذه المؤسسات دورها الحيوي في التأطير والتكوين، ويجعل منها مشتلاً للمواهب الرياضية والثقافية، ورافعة للتنمية البشرية؟

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغيير أسماء المؤسسات، بل في تجديد وظائفها، والارتقاء بخدماتها، وتوسيع أثرها داخل المجتمع. فحين نوفر للشباب فضاءات ملائمة تجمع بين المعرفة والممارسة الرياضية والتربية على القيم، فإننا لا نستثمر في حاضرهم فحسب، بل نضع أسس مستقبل أكثر إشراقاً، ونساهم في بناء إنسان مغربي متوازن، مبدع، ومسؤول، قادر على خدمة وطنه والمشاركة في مسيرته التنموية.

Exit mobile version