Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

جواب رئيسة الحكومة أمام مجلس المستشارين.. حين تصطدم الوعود بأسئلة الواقع

الأحداث✍️بقلم: عبدالصادق عبادة
ليست المشكلة أن تقدم الحكومة برنامجاً مليئاً بالوعود، بل أن تطلب من المغاربة تصديقه قبل أن تجيب عن السؤال الأكثر إلحاحاً: ما الذي سيتغير فعلاً في حياتهم؟ فبعد سنوات من الانتظارات الاجتماعية وتراكم المطالب المرتبطة بالشغل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم، لم يعد الرأي العام في حاجة إلى خطاب جديد عن المستقبل بقدر حاجته إلى ضمانات واضحة بشأنه. لقد استُهلكت كثيراً لغة الإصلاح والتغيير، ولم يعد كافياً أن تُصاغ الطموحات بعبارات جذابة حتى تتحول إلى مصدر للثقة. فبين ما تقوله الحكومات وما يعيشه المواطنون تتسع أحياناً فجوة لا تردمها الخطب، ولا تغلقها البلاغات، ولا يكفي لتجاوزها إعلان برنامج آخر بخمس سنوات جديدة من الوعود.

من هنا تكتسب الجلسة العمومية لمجلس المستشارين المنعقدة يوم 21 أكتوبر 2026 لمناقشة البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 أهميتها السياسية. فالأمر لا يتعلق بمجرد محطة دستورية تُعرض فيها الاختيارات الحكومية وتُقدم فيها الأجوبة عن مداخلات المستشارين، بل بلحظة يُفترض أن تُختبر فيها جدية المشروع الحكومي وقدرته على إقناع المجتمع بأن السنوات المقبلة يمكن أن تحمل تغييراً ملموساً. وحين تتصدى رئيسة الحكومة للرد على أسئلة ممثلي الأمة، فإن المطلوب ليس فقط الدفاع عن البرنامج أو شرح مقاصده، بل توضيح ما يلتزم به، وكيف سينفذه، ومتى يمكن للمغاربة أن يلمسوا نتائجه. فالمواطن لا يعيش على الورق، ولا يدفع فواتيره بالشعارات، ولا يستطيع أن يؤجل انتظاراته الاجتماعية إلى أن تنتهي الحكومة من شرح نواياها.

إن قيمة أي برنامج حكومي لا تكمن في فخامة لغته واتساع قائمة أهدافه، وإنما في قدرته على الإجابة عن الأسئلة التي تؤرق المجتمع. فالتشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، كلها عناوين تحظى بإجماع يكاد يكون مطلقاً. لكن الإجماع على الأهداف لا يعني شيئاً ما لم تكشف الحكومة عن الطريق الذي ستسلكه لتحقيقها، وعن الموارد التي ستعبئها، والآجال التي تلتزم بها، والمؤشرات التي ستسمح للبرلمان والرأي العام بقياس التقدم أو تسجيل الإخفاق.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لجواب رئيسة الحكومة: هل قدم توضيحات ملموسة بشأن كيفية تنزيل البرنامج، أم بقي النقاش محكوماً بعموميات سياسية يمكن أن تتسع لكل التأويلات؟ وهل تحولت مداخلات المستشارين إلى فرصة لتدقيق الالتزامات وتصحيح الاختلالات، أم انتهت الجلسة عند حدود تبادل المواقف والدفاع عن الاختيارات؟ فالمغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من التأكيد أن الحكومة تريد الإصلاح؛ إنهم يريدون أن يعرفوا كيف سيصل هذا الإصلاح إلى حياتهم اليومية، ومتى سيشعرون بأثره، ومن سيتحمل مسؤولية تعثره إن لم يتحقق.

المشكلة في البرامج الحكومية ليست أنها تفتقر إلى الطموح، بل إنها كثيراً ما تجعل الطموح بديلاً عن التحديد، والشعار بديلاً عن الالتزام القابل للمحاسبة. تستطيع أي حكومة أن تعد بالنمو وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية، لكن الصعوبة تبدأ حين يُطلب منها أن تحدد ما الذي ستنجزه أولاً، وما الذي ستؤجله، وما الكلفة الاجتماعية والمالية لاختياراتها. عندها فقط تنتقل السياسة من لغة النوايا إلى امتحان المسؤولية.
وفي ملف التشغيل، على سبيل المثال، لا يكفي الحديث عن الاستثمار أو دعم المقاولات أو ملاءمة التكوين مع حاجيات السوق. السؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً هو كيف ستتحول هذه التوجهات إلى فرص عمل حقيقية ومستقرة، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الذين لم تعد البطالة بالنسبة إليهم رقماً في تقرير اقتصادي، بل عائقاً أمام الاستقلال وبناء المستقبل. ولا يمكن مطالبة هذه الفئات بمزيد من الصبر بينما تظل الوعود أكبر من التفاصيل التي تشرح كيف ستتحقق.

أما القدرة الشرائية، فهي الاختبار الأكثر مباشرة لمصداقية الخطاب الحكومي. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية بما يسمعه عن المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بما يتبقى في جيبه بعد أداء فواتير السكن والنقل والغذاء والعلاج والتعليم. وإذا لم ينعكس النمو المعلن على معيش الأسر، ولم يشعر أصحاب الدخول المحدودة بتحسن ملموس، فإن الحديث عن التنمية سيظل بعيداً عن التجربة اليومية للمواطنين. لذلك، لا بد أن يوضح البرنامج كيف ستُحمى القدرة الشرائية، وكيف ستُواجه الضغوط التي تثقل كاهل الأسر، وما التدابير التي ستضمن ألا تتوزع ثمار النمو بصورة غير عادلة.

وفي الصحة والتعليم، لا يحتاج المغاربة إلى من يقنعهم بأهمية الإصلاح، بل إلى من يشرح لهم كيف ستتغير الخدمات التي يتلقونها فعلياً. فالمستشفى الذي لا يضمن العلاج في الوقت المناسب، والمدرسة التي لا توفر تعلماً جيداً ومنصفاً، يظلان عنوانين لفشل السياسات مهما تعددت برامج الإصلاح المعلنة. والمطلوب من الحكومة ليس أن تعيد تأكيد التزامها بتطوير القطاعين، وإنما أن تقدم تصوراً قابلاً للتتبع بشأن الموارد البشرية والتجهيزات وجودة الخدمات وتقليص الفوارق بين الجهات والفئات الاجتماعية.

من هذه الزاوية، ينبغي قراءة جواب رئيسة الحكومة لا باعتباره نهاية للنقاش، بل بداية لمسار طويل من المساءلة. فنجاح المسؤول السياسي في الرد على خصومه داخل البرلمان لا يعني بالضرورة نجاحه في إقناع الرأي العام. قد يكون الجواب قوياً من الناحية الخطابية، لكنه يظل محدود القيمة إذا لم يبدد الغموض بشأن الأولويات أو يوضح وسائل التنفيذ أو يقدم التزامات يمكن العودة إليها لاحقاً. السياسة ليست مباراة في البلاغة، والحكومة لا تُقاس بقدرتها على امتلاك الكلمة الأخيرة، بل بقدرتها على تحويل الكلمة إلى قرار، والقرار إلى أثر ملموس.

وإذا كانت الحكومة تستند إلى برنامج يمتد على خمس سنوات، فإن هذا الأفق الزمني ينبغي ألا يتحول إلى مساحة مريحة لتأجيل المحاسبة. فالبرنامج الذي لا يحدد محطات واضحة للتنفيذ يتيح دائماً ترحيل الأسئلة إلى المستقبل، بينما يظل المواطن مطالباً بدفع كلفة الانتظار في الحاضر. ومن حق البرلمان أن يطالب بتوضيحات بشأن الأهداف والتمويل والآجال، كما أن من حق الرأي العام أن يعرف، منذ البداية، ما الذي التزمت به الحكومة تحديداً، وما المعايير التي ستُعتمد للحكم على مدى وفائها بتعهداتها.

ولا يعني ذلك إصدار حكم مسبق على حكومة لم تستنفد زمن تنفيذ برنامجها، أو التعامل مع كل وعد باعتباره خدعة سياسية. لكنه يعني، في المقابل، أن احترام المؤسسات لا يقتضي تعطيل النقد، وأن منح الحكومة فرصة للعمل لا يعني منحها شيكاً على بياض. فالرقابة البرلمانية ليست خصومة مجانية، كما أن المعارضة ليست مطالبة بتجميل البرنامج حتى لا تُتهم بالتشويش؛ دورها أن تختبر تماسكه، وتكشف مواطن الغموض فيه، وتدفع الحكومة إلى تقديم أجوبة أكثر دقة. وفي الجهة المقابلة، لا ينبغي للأغلبية أن تختزل النقاش في الدفاع التلقائي عن الحكومة، لأن التصفيق للبرنامج لا يعفي أصحابه من مسؤولية تنفيذه.

إن الرهان الحقيقي في هذه الجلسة لا يتعلق بمن انتصر في السجال، ولا بمن قدم الرد الأكثر قوة، بل بما إذا كان النقاش قد جعل البرنامج الحكومي أكثر وضوحاً وقابلية للمحاسبة. فالمؤسسات لا تؤدي وظيفتها بمجرد انعقاد الجلسات وتبادل الكلمات، وإنما بقدرتها على تحويل النقاش إلى التزامات محددة، وعلى إبقاء المسافة بين الوعد والإنجاز تحت رقابة مستمرة.
لا يحتاج المغاربة إلى حكومة تجيد تسويق برنامجها بقدر ما يحتاجون إلى حكومة تملك القدرة والإرادة لتنفيذه. كما لا تكمن قيمة جواب رئيسة الحكومة في إنهاء النقاش داخل البرلمان، بل في تقديم التزامات واضحة تبدد القلق وتستجيب لانتظارات المواطنين. فالمسافة بين الخطاب والواقع لا تختصرها البلاغة، وإنما تردمها القرارات الملموسة والنتائج التي يشعر بها الناس.

في المحصلة، لا تُقاس مصداقية الحكومة بما تعد به، بل بما تنجزه. فالبرلمان ليس منصة للدعاية السياسية، والثقة الشعبية ليست شيكاً على بياض. وأي حكومة تطلب الثقة من دون التزامات قابلة للمحاسبة، إنما تطلب تأجيلاً للمساءلة لا تفويضاً للإصلاح. فإما أن تتحول الوعود إلى نتائج، وإما أن يظل الحديث عن الإصلاح مجرد خطاب سياسي عاجز عن تغيير واقع المغاربة.

Exit mobile version