الأحداث✍️د. خلدون الوزاني
يحظى المغرب وبطريقة تبعث على الاستغراب وتطرح العديد من التساؤلات بإشادة إيجابية من صندوق النقد الدولي بشأن متانة نظامه المصرفي والتقدم المحرز في مجال توطيد المالية العمومية. وعلى هامش الاجتماعات السنوية للمؤسسة ومجموعة البنك الدولي، المنعقدة في بانكوك، أشاد مسؤولو الصندوق بقدرة القطاع المالي المغربي على الصمود، داعين في الوقت ذاته إلى مواصلة الانضباط المالي وتعزيز آليات الحماية الاجتماعية في مواجهة حالة عدم اليقين التي تشهدها الأوضاع الاقتصادية الدولية. الخبر جاء في أسبوعية Aujourd’hui le Maroc. في عددها 6247 الصادر يوم 15 أكتوبر 2026
وهكذا مرة اخرئ يتلقى المغرب إشارات إيجابية من مسؤولي صندوق النقد الدولي، بمناسبة الاجتماعات السنوية للصندوق ومجموعة البنك الدولي، المنعقدة في الفترة الممتدة من 12 إلى 18 أكتوبر في بانكوك، عاصمة تايلاند.
وتتعلق هذه الإشادات، على وجه الخصوص، حسب نفس المصدر بمتانة النظام المصرفي الوطني وربحيته ومستوى رسملته، فضلاً عن الجهود التي تبذلها المملكة في مجال توطيد المالية العمومية، في سياق دولي يتسم بحالة من عدم اليقين الاقتصادي والضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، تقول الأسبوعية أكد جيسون ووJason Wu، المدير المساعد بقسم أسواق النقد ورأس المال في صندوق النقد الدولي، أن النظام المصرفي المغربي لا يزال يتمتع بالمتانة والربحية ومستوى جيد من الرسملة، رغم الصدمات التي يتعرض لها، مما يجعله ركيزة أساسية للنظام المالي للمملكة.
وأوضح المسؤول أن هذه المسألة تكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى أن القطاع المصرفي يشكل الركيزة المحورية للنظام المالي.
وفي معرض حديثه عن آفاق النمو بالمملكة، اعتبر مسؤول صندوق النقد الدولي أن معدل النمو المتوقع في حدود 4.5 في المائة سنة 2026 يمثل «مستوى قوياً إلى حد كبير»، إذ يعكس، في الوقت نفسه، تعافي النشاط الفلاحي ودينامية القطاعات غير الفلاحية.
غير أنه أشار إلى أن المغرب لا يزال معرضاً لعدة عوامل مخاطر خارجية، من بينها استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط الخارجية التي قد تؤدي إلى زيادة الضغوط على العملات الأجنبية.
وفي هذا السياق، شدد السيد ووWu على ضرورة تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود، والحفاظ على انسجام السياسات المالية والميزانية، مع مواصلة الجهود الرامية إلى تصحيح أوضاع المالية العمومية.
من جانبه، أشاد دافيدي فورسيي، , Davide Furceri, رئيس قسم بإدارة المالية العمومية في صندوق النقد الدولي، بالجهود التي يبذلها المغرب في مجال توطيد المالية العمومية، مع التنبيه إلى التحديات التي لا تزال تواجه المالية العامة، ولا سيما بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.
وفي هذا الإطار، سلط مسؤول صندوق النقد الدولي الضوء على جهود المغرب الرامية إلى تعزيز التوازنات المالية، مؤكداً أهمية الحفاظ على آليات الحماية الاجتماعية الموجهة لفائدة الفئات الأكثر هشاشة.
وأوضح السيد فورسييري , Davide Furceri, أن «التحكم في النفقات العمومية يمر، على وجه الخصوص، عبر ترتيب الأولويات في الميزانية بشكل أفضل، والتخلي التدريجي عن الدعم المعمم، وإرساء مساعدات اجتماعية مباشرة وموجهة «.
وتهدف هذه التوجهات إلى تحقيق التوازن بين خفض العجز العمومي وضرورة حماية الفئات الاجتماعية الأكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، ولا سيما تلك المرتبطة بتقلبات الأسعار الدولية للطاقة.
كما شدد السيد فورشيري , Davide Furceri,على أهمية وضع برمجة للميزانية على المدى المتوسط، بما يسمح بإدراج خفض العجز ضمن مسار مستدام، وتعزيز إمكانية التنبؤ بالسياسات العمومية.
وبالنسبة إلى المغرب، تبرز هذه التوجهات أهمية التوفيق بين استدامة المالية العمومية والحفاظ على المكتسبات الاجتماعية، في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على أسواق الطاقة الدولية.
وفي هذا الصدد، يشكل تعزيز إطار مالي ذي مصداقية على المدى المتوسط رافعة أساسية لتحسين تخصيص الموارد العمومية، وتوطيد استدامة الدين، والحفاظ على هوامش التحرك الضرورية لتمويل أولويات التنمية، وفق ما خلص إليه المسؤول.
وللتذكير، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يحقق الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 4.5 في المائة سنة 2026، و4.2 في المائة سنة 2027، وفقاً لأحدث توقعات المؤسسة.
أما التضخم، فمن المرتقب أن يستقر عند 0.9 في المائة سنة 2026، قبل أن يرتفع إلى 1.4 في المائة سنة 2027.
إن هذه المعلومات الواردة من بانكوك، والتي سارعت وسائل الإعلام الاقتصادية والمالية في البلاد إلى تداولها وترويجها، ولا سيما تلك التي تدور في فلك الإدارة وتدافع عن توجهاتها، أو المنابر التابعة لمصالح خاصة تدافع بشراسة عن التيار الليبرالي المتوحش الذي غادر الحكومة للتو، تثير الكثير من الشكوك وعلامات الاستفهام بشأن مدى انسجام هذه الإرشادات مع الواقع المعيش للمغاربة.
ثمة شعور متنامٍ، بل تكاد تترسخ قناعة لدى كثيرين، بأن المغرب، بحكم انضباطه الشديد لتوصيات صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي وحرصه على الالتزام بتوجيهاتهما، بات يُعامل من طرف هاتين المؤسستين بمنطق أقرب إلى المنطق التجاري الذي يحكم العلاقة بين الدائن والزبون، أكثر مما تحكمه اعتبارات التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. فبدلاً من تقديم تقييمات صريحة وشاملة تضع الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية في صلب اهتماماتها، يبدو أن هذه المؤسسات تحرص على تمرير رسائلها بلغة دبلوماسية محسوبة، تصوغ الحقائق بالطريقة الأكثر قبولاً لدى دوائر السلطة، وتمنح الإشادة حيث تكون الإشادة مرغوبة، مع تغليب المؤشرات المالية التي تحظى برضا الأسواق والدائنين على حساب الأسئلة الحقيقية المتعلقة بأوضاع المجتمع وتطلعاته.
والأخطر من ذلك أن هذا النهج قد يسهم في دفع المغرب نحو مزيد من الليبرالية الاقتصادية المتشددة، تحت غطاء الإصلاحات الهيكلية وتحديث السياسات المالية، من خلال إغراقه بخطوط ائتمان وقروض تُقدَّم بسخاء ظاهري، لكنها تظل مرتبطة بشروط صارمة وتكلفة اقتصادية واجتماعية قد تتحمل الطبقات الشعبية والوسطى العبء الأكبر منها. وهكذا، تتحول وفرة التمويلات الخارجية، التي يُفترض أن تكون رافعة للتنمية وتحسين مستوى عيش المواطنين، إلى أداة محتملة لتعميق خيارات اقتصادية لا تتوزع مكاسبها وأعباؤها بصورة عادلة، وتُضيّق في المقابل هامش القرار الوطني المستقل في رسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
فهل أصبح المغرب، في نظر هذه المؤسسات، شريكاً تنموياً يستحق دعماً يُقاس أثره بقدرته على تحسين حياة مواطنيه، أم مجرد زبون منضبط يُكافأ على احترام قواعد اللعبة المالية، حتى وإن كان الثمن مزيداً من الضغط على قدرته الاجتماعية وتفاقم الفوارق بين فئاته؟ إن الإشكال لا يكمن في التعاون مع المؤسسات المالية الدولية في حد ذاته، بل في طبيعة هذا التعاون وشروطه، وفي مدى قدرة الدولة على التفاوض بشأنه بما يحفظ مصالحها الوطنية، ويضمن ألا تتحول الالتزامات المالية إلى قيود على العدالة الاجتماعية، أو إلى غطاء لتكريس نموذج اقتصادي تتقدم فيه مصالح الأسواق والدائنين على حقوق المواطنين وانتظاراتهم.
فكيف يمكن التوفيق بين هذه الصورة الوردية التي يجري تسويقها في المحافل الدولية، وبين التحذيرات والانشغالات الاجتماعية والاقتصادية التي عبرت عنها مختلف الأحزاب السياسية خلال الحملة الانتخابية؟ وكيف يمكن تجاهل ما شهدته الحدود الشمالية للمملكة يوم عيد العرش، على بُعد بضع مئات من الأمتار من الإقامة الملكية، فضلاً عن التراجع الذي سجلته البلاد في مختلف التصنيفات والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الصادرة عن المنظمات الدولية؟
لقد بلغ معدل البطالة مستويات قياسية غير مسبوقة منذ عقود، فيما تتواصل الضغوط التضخمية، بما يفاقم التدهور المتواصل في القدرة الشرائية للمواطنين، التي أنهكتها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أصلاً.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: ما الأثر الفعلي للأداء المتميز الذي يُنسب إلى النظام المصرفي المغربي على المقاولات والأسر المغربية؟ وهل انعكست هذه المتانة المالية والربحية المعلنة إيجاباً على النسيج الاقتصادي الوطني وعلى المواطنين، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مؤشرات مالية براقة لا تجد صداها في الواقع المعيش؟
ففي الممارسة العملية، لا تزال المقاولات، ولا سيما المقاولات الناشئة ومشاريع الشباب، تصطدم بمساطر تمويل تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، وبشروط ائتمانية مجحفة، وأسعار فائدة مرتفعة إلى مستويات تفوق قدرة العديد من أصحاب المشاريع على التحمل. ويزداد الأمر إثارة للاستغراب عندما يتعلق الأمر بتمويلات مضمونة من طرف الدولة، إذ يستمر الغموض الذي يلف مسارات اتخاذ القرار ومعاييره ودوافعه، خصوصاً عند دراسة طلبات التمويل التي يتقدم بها الشباب المقاول، رغم أن القروض المعنية يفترض أن تحظى بضمانات من الأموال العمومية تصل إلى 70 في المائة.
فإذا كانت الدولة تتحمل جزءاً كبيراً من مخاطر هذه التمويلات من خلال آليات الضمان العمومي، فما الذي يبرر استمرار هذه العراقيل، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتعقيد المساطر، بل وإقصاء عدد من المبادرات المقاولاتية الشابة من الاستفادة الفعلية من التمويل؟
أما في بانكوك، فقد جرى الاحتفاء أيضاً بربحية النظام المصرفي المغربي، دون التوقف بما يكفي عند طبيعة الأنشطة التي تُحقق هذه الأرباح ومصادرها الحقيقية. ذلك أن جانباً مهماً من هذه الربحية يرتبط بأنشطة الأسواق المالية والاستثمارات داخل المغرب وخارجه، ولا سيما في القارة الإفريقية، وليس بالضرورة بوظيفة الوساطة المصرفية داخل السوق الوطنية، المتمثلة في تعبئة الادخار وتوجيهه نحو تمويل المقاولات والاستثمار المنتج.
وهنا تكمن المفارقة الجوهرية: أن تحقق البنوك أرباحاً مرتفعة لا يعني بالضرورة أنها تؤدي دورها التنموي على النحو المطلوب، ولا أن المقاولات المغربية تجد التمويل الذي تحتاج إليه، ولا أن الأسر تستفيد من شروط ائتمانية منصفة، ولا أن الشباب يجدون في المنظومة المصرفية شريكاً حقيقياً لتحويل أفكارهم إلى مشاريع منتجة.
إن الاحتفاء بمتانة النظام المصرفي وربحيته، بمعزل عن قياس أثرهما الفعلي على الاقتصاد الوطني وعلى حياة المواطنين، يظل احتفاءً ناقصاً، بل قد يتحول إلى خطاب مضلل إذا استُخدم للتغطية على الاختلالات القائمة. فالمعيار الحقيقي لنجاح القطاع المصرفي لا ينبغي أن يقتصر على حجم أرباحه ومتانة رسملته، وإنما يجب أن يشمل أيضاً مدى مساهمته في تمويل الاقتصاد المنتج، وتيسير حصول المقاولات على القروض، وخفض كلفة التمويل، ودعم المبادرات المقاولاتية الشابة، وخلق فرص الشغل.
أما أن تُستقبل الإشادات الدولية بالتصفيق، في الوقت الذي يصطدم فيه الشباب والمقاولون بواقع تمويلي معقد ومكلف وغير واضح المعايير، فذلك يطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن القفز عليه: لصالح من تُحقق هذه المنظومة المصرفية نجاحاتها، ومن يجني ثمار أرباحها، إذا لم ينعكس ذلك بصورة ملموسة على الاستثمار المنتج والتشغيل والعدالة الاقتصادية والاجتماعية داخل المغرب؟
ذلك ما سنتطرق اليه في ملف قادم ان شاء الله

