Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

لاسامير أمام حكومة المنصوري: اختبار الإرادة السياسية ومعركة السيادة الطاقية

الأحداث✍️بقلم: عبد الصادق عبادة

ليست مصفاة لاسامير مجرد منشأة صناعية توقفت عجلاتها عن الدوران منذ سنوات، بل هي عنوان لواحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في المغرب، ومرآة لمدى قدرة القرار السياسي على التوفيق بين المصالح الوطنية وتعقيدات الاستثمار والديون والتصفية القضائية. ومع وصول حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى الواجهة، يعود السؤال الذي طال انتظاره إلى صدارة النقاش العمومي: هل تتحول إعادة تشغيل المصفاة من شعار سياسي متجدد إلى مشروع وطني له قرارات واضحة وآجال محددة؟

منذ توقف التكرير سنة 2015، ظل ملف السامير معلقا بين المساطر القضائية والرهانات الاقتصادية والحسابات الاستراتيجية. وفي الوقت الذي واصل فيه المغرب الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية المكررة، بقيت المصفاة، بما تمثله من بنية صناعية وقدرات تخزينية وخبرة بشرية متراكمة، شاهدا على فرصة لم تُحسم بعد. ولم يعد النقاش بشأنها محصورا في مصير شركة متعثرة، بل امتد إلى أسئلة الأمن الطاقي وكلفة التبعية للأسواق الدولية وحدود التدخل الحكومي في القطاعات الاستراتيجية.

إن حكومة المنصوري، إذا أرادت أن تجعل من هذا الملف إحدى محطات إثبات قدرتها على الفعل، فستكون مطالبة بتجاوز منطق التصريحات العامة نحو بلورة تصور متكامل. فإعادة تشغيل السامير لا تتحقق بقرار سياسي منفرد، ولا بمجرد الإعلان عن الرغبة في استعادة نشاطها؛ إذ تستلزم معالجة الوضعية القانونية للأصول والديون، وتقييما دقيقا لحالة المنشآت وكلفة تأهيلها، فضلا عن تحديد نموذج التمويل والتدبير، سواء عبر مستثمر خاص أو شراكة بين القطاعين العام والخاص أو صيغة أخرى تستجيب للمصلحة الوطنية.

لكن جوهر القضية يتجاوز الجانب التقني والمالي. فالمسألة تتعلق أيضا بموقع الدولة في حماية المصالح الاستراتيجية، وبقدرتها على بناء سياسة طاقية لا تكتفي بتدبير تقلبات الأسواق، وإنما تسعى إلى تقليص مواطن الهشاشة وتعزيز هامش الاستقلال في اتخاذ القرار الاقتصادي. ومن هذا المنظور، يصبح ملف السامير اختبارا لمدى استعداد الحكومة لتحمل كلفة القرارات الصعبة، بعيدا عن الاكتفاء بتشخيص الاختلالات أو تبادل المسؤوليات بشأنها.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن إعادة تشغيل المصفاة لن تعني بالضرورة انخفاضا فوريا في أسعار البنزين والغازوال. فالأسعار النهائية تتأثر بعوامل متعددة، تشمل أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية، وتكاليف التكرير والنقل والتمويل، فضلا عن الضرائب وهوامش التوزيع. لذلك، فإن أي رهان على السامير ينبغي أن يستند إلى دراسة اقتصادية شفافة تحدد كلفة إعادة التشغيل ومردوديتها وشروط قدرتها على المنافسة، بدل تقديم وعود لا تسندها معطيات دقيقة.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول هذه التعقيدات إلى مبرر لاستمرار الجمود. فكل تأخر في حسم مستقبل المصفاة يطرح من جديد سؤال كلفة الفرص الضائعة، ومدى قدرة المغرب على استثمار بنيته الصناعية القائمة في خدمة أمنه الطاقي.

والمطلوب، في هذا السياق، ليس قرارا متسرعا قد يحمّل المال العام أعباء غير محسوبة، ولا انتظارًا مفتوحا يترك الملف رهينة المجهول، بل مسارا مؤسساتيا واضحا يحدد المسؤوليات والخيارات والآجال، ويضع الرأي العام أمام معطيات قابلة للمساءلة والتقييم.

إن التحدي الحقيقي أمام حكومة المنصوري لا يكمن في إعلان موقف من السامير، وإنما في تحديد ما إذا كانت ستقدم حلا عمليا لملف طال انتظاره، أم ستضيفه إلى قائمة القضايا التي تتجدد حولها الوعود أكثر مما تتجدد بشأنها القرارات. فالمصفاة ليست مجرد إرث من الماضي، بل قضية ترتبط بكلفة الطاقة، وبمستقبل الصناعة الوطنية، وبثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على تحويل الأولويات المعلنة إلى نتائج ملموسة.

في النهاية، لن يُقاس موقف الحكومة من لاسامير بقوة الخطاب، بل بوضوح القرار وواقعية التمويل والقدرة على التنفيذ. أما استعادة المصفاة لدورها، إن أثبتت الدراسات جدواها وتوافرت شروطها، فقد تشكل خطوة مهمة في مسار تعزيز الأمن الطاقي المغربي. وحتى ذلك الحين، سيظل السؤال قائما: هل تنجح حكومة المنصوري في فك عقدة السامير، أم يستمر هذا الملف مفتوحا بين رهانات السيادة الاقتصادية وتعقيدات الواقع؟

Exit mobile version