الأحداث✍️عبد الصادق
🔴🟢||▪︎ قراءة في دلالات الخطاب الملكي ومعنى المواطنة الحقيقية
ليس الانتماء إلى الوطن مجرد جنسية نحملها، أو بطاقة تعريف تثبت هويتنا، أو شعار نردّده في المناسبات الوطنية، أو مصلحة نبحث عنها حين تتوافق الظروف مع رغباتنا. إن الانتماء الحقيقي أعمق من ذلك بكثير؛ إنه وعي بالهوية، ووفاء للأرض، والتزام تجاه المجتمع، واستعداد دائم للمساهمة في بناء المستقبل.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مضامين الخطاب الملكي السامي باعتبارها دعوة إلى التأمل في معنى الانتماء الوطني، والانتقال به من مستوى العاطفة والشعارات إلى مستوى السلوك والممارسة والمسؤولية.
●فالانتماء انخراط، وليس مجرد انتظار
أن ننتمي إلى المغرب يعني أن نكون فاعلين في مسيرته التنموية، كلٌّ من موقعه واختصاصه. فالموظف الذي يؤدي واجبه بإخلاص، والمعلم الذي يصنع أجيال المستقبل، والطبيب الذي يخدم المرضى بضمير، والعامل الذي يتقن عمله، والشاب الذي يوظف طاقته في الابتكار والمبادرة، والمواطن الذي يحترم القانون ويحافظ على الممتلكات العامة؛ جميعهم يترجمون الانتماء إلى أفعال ملموسة.
●والانتماء مشاركة، وليس مجرد مطالبة بالحقوق
فالمواطنة الحقة تقوم على التكامل بين الحقوق والواجبات، وبين ما ننتظره من الوطن وما نقدمه له. ومن حق المواطن أن يطمح إلى الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص، ومن واجبه أيضًا أن يسهم في ترسيخ قيم التضامن والنزاهة واحترام القانون. فالأوطان لا تُبنى بالانتظارات وحدها، وإنما تتقدم حين تتحول تطلعات أبنائها إلى مبادرات وعمل جماعي.
●والانتماء بناء، وليس مجرد حنين إلى الماضي
إن حب المغرب لا يقتصر على الاعتزاز بتاريخه العريق وحضارته الأصيلة ورموزه الوطنية، بل يتجسد كذلك في الإسهام في صناعة حاضره والاستعداد لمستقبله. فالوطن الذي نعتز بماضيه يستحق منا أن نعمل من أجل تطوير مدارسه ومستشفياته وإدارته واقتصاده، وأن ندافع عن كرامة الإنسان، ونحافظ على موارده، ونصون وحدته وتماسكه الاجتماعي.
أما «الكبدة على الوطن»، في التعبير المغربي الأصيل، فليست مجرد إحساس عابر أو حماسة ظرفية؛ إنها غيرة إيجابية تدفع إلى الإصلاح، وصدق في المحبة يظهر عند تحمل المسؤولية، وشجاعة في قول الحقيقة، وحرص على المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. فمن يحب وطنه حقًا لا يكتفي بمدحه، بل يساهم في معالجة اختلالاته، ويثمن منجزاته، ويطالب بتحسين ما يحتاج إلى تحسين، بروح مسؤولة وبناءة.
وهنا تبرز مسؤولية الجميع: المؤسسات في أداء واجباتها وتحقيق الإنصاف، والنخب في تقديم القدوة، والأحزاب والهيئات المدنية في تأطير المواطنين وخدمة الصالح العام، والمواطنين في الانخراط الإيجابي في الحياة العامة. فالانتماء ليس مسؤولية طرف واحد، بل هو عقد معنوي وأخلاقي يجمع الوطن بأبنائه، ويقوى كلما تعززت الثقة، وترسخت العدالة، واتسعت فرص المشاركة.
إن الوطنية الحقيقية لا تُختبر فقط في المناسبات والأعياد، ولا في لحظات الحماس، بل في تفاصيل الحياة اليومية: في احترام النظام، ومحاربة الفساد كلٌّ من موقعه، وصيانة المال العام، وإتقان العمل، واحترام الاختلاف، والتضامن مع الفئات الهشة، والحفاظ على صورة المغرب ومصالحه.
●خلاصة القول
إن الانتماء إلى المغرب ليس امتيازًا نكتفي بحمله، بل أمانة نتحملها، ومسؤولية نترجمها، ورسالة نؤديها. وهو ليس مجرد كلمة تُقال، وإنما ممارسة مستمرة تتجدد كل يوم من خلال العمل الصادق والمشاركة الواعية والمساهمة في البناء.
فليكن انتماؤنا لوطننا انتماءً بالفعل قبل القول، وبالعطاء قبل المطالبة، وبالمسؤولية قبل الامتياز؛ لأن المغرب لا يحتاج فقط إلى من يحبونه، بل يحتاج أيضًا إلى من يحولون حبهم له إلى عمل وإنتاج وإصلاح وإبداع.
المغرب يجمعنا، والمواطنة مسؤوليتنا، وبناء المستقبل واجبنا المشترك.
عاش المغرب عزيزًا موحدًا، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، حفظ الله وطننا وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار.
🇲🇦الله، الوطن، الملك🇲🇦

